الواحة الأدبية هنا هتلاقى قصائد , شعر , زجل، نثر و كل القصائد بتاعة أدبائنا الكبار ....



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-09-2009
شاعر جار عليه الزمان شاعر جار عليه الزمان غير متواجد حالياً
..:: عــضــو متميز ::..
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: المنصورة ____ دكرنس
المشاركات: 473
إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى شاعر جار عليه الزمان
I11 بحث فى ذاتية الشعر الجاهلى

بحث فى ذاتية الشعر الجاهلى
_______________________

بحث عن ذاتيّة الشاعِر الجاهلي - راوي بوجوفتش المستشرق اليوغسلافي




كان شيئاً ممتعاً وحافزاً على الدوام تجريد وإضاءة شخصية الفنان، هذا المبدع الذي يثير عمله الفني الأحاسيس الرقيقة والحادة. لذا يرغب أي الباحث أو القارئ في أن يغوص في شخصيته وروحه ويبحث في عوالمها، أي يبحث في العلاقات والأسباب التي تؤثر في تشكيل وجهات النظر الفنية. غير أن النقد وتاريخ الأدب كانا يهتمان، بشكل خاص، باكتشاف مصادر وطرق استلهام الفنان ومنابع قدرته الإبداعية، وبكلمة أخرى، خصوصية الفنان في استخدام الرمز للتعبير عن مكنوناته الإبداعية والحوافز التي تمده بالقدرة على ذلك.‏


وبالطبع، لم تستطع مثل هذه الدراسة العجلى أن تستوعب كل تلك الجوانب التي ذكرناها، وبشكل خاص بدايات نشأة الشعر العربي القديم ودور الشاعر في ذلك الحين. لأن ذلك يتطلب بحثاً شاملاً يلجأ إلى شتى العلوم التي تساعد على خلق نظرة متكاملة. وفي الحقيقة نحن لا نعرف عن الشاعر الجاهلي سوى النزر اليسير ولذلك كثيراً ما نعتمد في بحوثنا على تصوراتنا الخاصة ونحاول أن نستعيد ونجدد صورة هذا العصر البعيد وروحه الحقة. وربما كان الفنان سلفادور دالي قد عبر عن أسرار الروح والنفس البشرية بأكثر دقة و أروع مجاز، حينما ظهر ذات يوم بين الجمهور مرتدياً (بدلة) الغوص وأراد أن يتحدث أمامهم عن أغوار هذه النفس التي تنوي الكشف عن مكنوناتها.‏


ولكي نحدد وجهة بحثنا هذا فلنتوقف عند مسألة العلاقة بين المبدع (الشاعر) والإلهام. غير أننا لن نميل هنا إلى التحليلات الشعرية والسيكولوجية بل نلقي الضوء على هذه الجوانب التي ستكمل صورتنا عن العوامل الثقافية المؤثرة في تكوين خصوصية الشاعر الجاهلي ودوره الحضاري المهم، كما نحاول أن نجمع كل المعلومات الواردة عن هذه الشخصية ونشير إلى أهم خصائص تلك العلاقة.‏


فلو نظرنا إلى تسمية ذلك العصر لوجدنا أنها تشير إلى ثقافة معينة، ثقافة البدوي التي أنجبت شعراً ظل يرمز إلى قمة الإبداع الأدبي عند العرب على مر الأزمنة والعصور. وبالرغم من أن العرب قد طوروا حضارتهم بعد ظهور الإسلام تطويراً مرموقاً فقد احتل هذا الشعر مكانة خاصة في هذه الحضارة وأصبح معياراً للإبداع في العصور القادمة. وحتى المحاولات التي قام بها بعض الأدباء في تجديد الشعر وتطويره كانت تستند في ذلك إلى أيام ولادته وإلى القوانين التي حددت معالمه الأصلية، وبذلك فإن هذه المحاولات تنطبق انطباقاً تاماً على تلك المحاولات التي أبداها أو قام بها رجال الدين في تجديد القيم الإسلامية. ولذا يمكننا القول أن الشعر عند العرب في تلك العصور وخاصة في العصر الجاهلي أصبح يمثل ديناً لهم، يحمل في طياته سلوكهم وأخلاقهم وفهمهم لوجودهم. ولذا وبذلك أصبح تعبير "الشعر ديوان العرب" أكثر وضوحاً وأوسع فهماً:‏


ولكون الشعر ديوان العرب، حصلت ضجة في الثلاثينات من هذا القرن عندما حاول الأديب طه حسين أن يهز هذه القدسية (ربما تحت تأثير المستشرقين "الفرت" و"مرغوليوث") حيث طرح أفكاره في كتابه الشهير (في الشعر الجاهلي)(1). وبطبيعة الحال كان أول من عارض ذلك بانفعال شديد هم رجال الدين. ويشير طه حسين في هذا الكتاب، الذي غير بعد هذه الضجة عنوانه ومحتوياته إلى حد ما، عندما يتحدث عن الشعر الجاهلي كمعيار لقمة الشعر، قائلاً: فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية. فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى "طرفة وعنترة وبشر بن أبي خازم"(2).‏


ولكن الباحث الكبير ابن خلدون، الذي سبقه بعدة قرون، كان قد أشار إلى ذات الفكرة قائلاً أن العرب يتعصبون لشعرهم دون أن يلتفتوا إلى القدرة الشعرية عند الشعوب الأخرى، وإن الإغريق يمكنهم كذلك أن يفتخروا بشعرهم(3). ويحق لنا أن نسأل: ما الأسباب التي دفعت العرب أن يجعلوا شعرهم البدائي معياراً على مر العصور، رغم ظهور شعر الموشح والزجل في الأندلس والبند في العراق ورغم الحقيقة الماثلة وهي ظهور الشعر الحر منذ بداية الخمسينات (لا نريد الخوض في هذا المجال)(4)؟...‏


ومن الممكن أن نجيب بأن شكل القصيدة الجاهلية هو السبب الأول والرئيسي في الرجوع المستمر إلى هذا الشعر. حيث أن هذه القصيدة تمثل منطلقاً فنياً ذا تكوين عال ثم إن لغتها ما زالت تداعب الأحاسيس برقة وتفرض الإعجاب بشتى معانيها وقوة أفكارها التي تعكس قوة العقول في ذلك العصر. وهذه القصيدة، من جهة أخرى باستثناء روحها الفردية ما زالت تمتلك وعيها الاجتماعي، لذا يمكننا أن ندعو هذه القصيدة بأنها قصيدة ذات خصائص ملحمية، وجدانية. أي أنها تمثل شكلاً ممزوجاً. إن ارتباط العرب بلغتهم كوسيلة رمزية، نراه متطبعاً في تسمية أشهر القصائد الجاهلية، كما هو في المعلقات، التي استند عليها المستشرق الفرنسي (شال بيلا) في إطلاق صفة صانعي الجواهر على الشعراء الأقدمين، بينما أنا أعتقد بأن القصة الأخرى حول تسمية المعلقات أكثر أهمية ومتعة لأنها تشير إلى ثقافة العصر الجاهلي وإلى عادات الأعراب، حيث نجد فيها عناصر ميثولوجية أسطورية من خلال استعمال أرقام المعلقات السبع أو التسع. ومن تعليق هذه القصائد على باب الكعبة التي كانت مكاناً دينياً وسحرياً قبل مجيء الإسلام، يبدو لنا أن تلك القصائد كان لها دور ساحر في حياة ذلك المجتمع، إذ أن العلاقة بين الشاعر والطبيعة في عموم الشعر البدائي، علاقة وطيدة وشديدة الصلة. حيث أننا نرى كذلك في الشعر البدوي تلك العلاقة الأصيلة نرى شدة ارتباط البدوي ببيئته واندهاشه بما يحيط به، لذا يستخدم الشاعر وصفاً دقيقاً قوي التعبير لما يراه ويعيشه (انظر مثلاً وصف العاصفة، عند امرئ القيس)، ويدل على قوة هذه العلاقة وتوطدها أنها تركت آثار الأفكار الأسطورية المثيولوجية والتوتمية(5). بالرغم من مجيء الإسلام الذي حاول مسح تلك الآثار من أجل توحيد الناس لعبادة إله واحد (لن نستخدم تعبير الإسلام "المتزمت" الذي أصبح منتشراً في أوربا، إذ أن له معنى خطيراً يحاول أصحاب هذا التعبير من ورائه الحط من شأن الحضارة الإسلامية)، لقد كان لحياة البدوي، ومجمل إبداعاته وأصالة الشعراء الأوائل الذين يعدون مؤسسي الثقافة العربية القديمة أو ثقافة القبائل تأثير كبير في تاريخ العرب حتى أن الإسلام لم يستطع اجتناب هذه الحقيقة، يمكننا الاعتماد على ما يقوله الأديب طه حسين من "أن القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية". (6).‏


وحتى يكون بوسع الباحث أن يقدم صورة كاملة ودقيقة عن ذلك العالم، يجب عليه أن يكون مولعاً بكل جوانب هذا الموضوع إذ إن الشعر الجاهلي الذي يتميز ببساطته وروحيته الطبيعية قد وضع ركائز لثقافة جديدة متطورة. بطبيعة الحال لا يتسع هنا المجال لتحليل هذه الجوانب بأسرها ولذا سنلفت الانتباه إلى بعض الحقائق الثقافية التي ربما ساعدتنا على تكوين انطباع مستفز عن ذلك. مثلاً لنأخذ عبادة الشمس، والقمر التي لها أهميتها حسب رأيي في تكوين الثقافة البدوية والجاهلية بشكل عام، نجد ذلك الأثر في جميع الثقافات البدائية تقريباً مع أننا نستطيع تتبع تينك العبادتين في الثقافة العربية الإسلامية على أساس تطورهما وصراعهما من أجل تغلب إحداهما على الأخرى. إذ إن هذا الصراع كان قد ترك أثراً مهماً في سير الحضارة العربية والإسلامية بشكل عام. ويبدو لي أن هذا الصراع لا يظهر فقط في صراع الطرفين، أي العقيدتين، بل يشير بشكل واضح إلى محاولة تكوين الشعور القومي عند البدوي على أساس انتمائه القبلي.‏


وربما لن ندرك طول فترة ذلك الصراع إن لم نتوغل في هذا الموضوع أن هذين الطرفين يتميزان حتى جغرافياً. في الشمال العدنانيون وفي الجنوب القحطانيون الذين يمتلكون، دون ريب، حضارة أقدم. وكل من هذين الطرفين يتمثل في ثقافة خاصة تحمل شعارها الخاص القمر (علامة الأنوثة) والشمس (علامة الرجولة)، بعض الأحيان لا نستطيع أن نضع حدوداً فاصلة بين حاملي هذين الشعارين لأنهما أحياناً يعيشان في اندماج وتنسيق في البيئة والمجتمع. ويدل على ذلك أن اليمنيين قد سبقوا في وضع التقويم القمري والمصريين القدامى (والأعراب بعد ذلك اشتركوا في تكوين جنسيتهم بالفعل)، جاؤوا بالتقويم الشمسي. غير أن الصراع يستمر بين الشمس والقمر، أي بين ثقافة البدو (القمر) وثقافة الحضر (الشمس)، ونتلمس آثار ذلك في العصر الأموي، ويتبين لنا أن هذا الصراع قد تلاشى في العصر العباسي بغلبة ثقافة البدو عقائدياً كما يبدو لنا في القرن العاشر، بعد هزيمة حركة الشعوبية. ومع أن هذه الثقافة تبدو بسيطة، ساذجة بل بدائية، فإنها تخفي في طياتها حسا مرهفاً وقيماً جمالية. ويخيل إلينا كذلك أن هذا الانتصار تحقق خاصة أن طريق سمو الأدب البدوي بشكل عام ولذا يمكننا القول أن القمر البدوي تغلب على ثقافة الشمس على صعيد الأدب. بينما هناك انتصارات حققتها ثقافة الشمس، مثلاً في القرنين الثامن والتاسع، وكأن الإسلام هدنة بين الثقافتين المتنازعتين أوقف ولو مؤقتاً الصراع ولكن بدون نتيجة.‏


وينعكس التوتر بين نموذج الثقافتين (البدوية والحضرية)، انعكاساً لامعاً حتى في الأبجدية العربية، حيث نجد فيها الحروف القمرية والشمسية، وكأن تقسيم هذه الأبجدية يشير إلى أن التوازن الثقافي أمر متوقع لأن هناك أربعة عشر حرفاً شمسياً مقابل أربعة عشر حرفاً قمرياً، وبذلك أخذ هذا الصراع كثيراً من حيوية الحضارة الإسلامية والبدوية من قبلها مع أننا شخصياً نرى أن في هذا الصراع (الدائم) بذرة تحرك الثقافة العربية من حين لآخر وقدرة شديدة على إمكانية تحريك هذه الحضارة على الدوام ومن جديد(7). ولو غصنا بعمق في الدوافع الإبداعية للثقافة البدوية لأمكننا الاستنتاج أن في الشعر البدوي حافزاً حضارياً هاماً قد يستطيع أن ينتج في ظروف اجتماعية وتاريخية مناسبة(8) ثقافة أخرى أكثر إبداعاً حتى من هذه الثقافة التي جاء بها الأدب العباسي في عصره الذهبي وإن هذا الحافز هو صنف من الأصناف الجمالية: الإلهام.‏


وبطبيعة الحال لا يمكننا أن نناقش مثل هذا الصنف، وفي تلك الفترة، بل يمكننا الخوض بهذا الشيء بعد ظهور نظرية الشعر عند العرب. ولذا سنورد في هذا المجال فكرة نظرية واحدة فقط تتحدث عن هذا الشيء نجد مصدرها في القرون الوسطى. يضمها كتاب العقد الفريد المشهور لمحمد بن عبد ربه (القرن العاشر) وتحكي هذه القصة أن رجلاً كاتباً توسل إليه أحد أصحابه أن يكتب رسالة باسمه، وعندما أخذ الكاتب قلمه توقف هنيهة. فسأله صاحبه عن سبب توقفه ظناً منه أنه فقد بلاغته، ولكن الكاتب لم يومئ برأسه بل أجاب أنه يبحث في باله عن أفضل المعاني لكتابة الرسالة(9). ويجب علينا أن نعلم بأن الإلهام لم يكن يعني شيئاً حتى بالنسبة لشعراء الجاهلية دون الاعتماد على الجهد الإبداعي الأصيل وعلاقات الشاعر بأعماله الشعرية علاقة وطيدة جادة.‏


وهكذا نجد في كتاب "الصناعتين في الكتابة والشعر" لأبي هلال العسكري (القرن التاسع)، وهذا الكتاب مهم جداً للبحث في نظرية الشعر في القرون الوسطى عند العرب، نجد معلومات عن الجهد الذي بذله الشاعر زهير أثناء نظمه للشعر، إذ إنه كان ينظم قصيدة واحدة في ستة أشهر، ثم يتركها طي الكتمان ستة أشهر أخرى. وعندما كانت تنتهي هذه الفترة الطويلة إلى حد كبير كان يلقي شعره(10). وأما الشاعر عنترة بن شداد فهو يشكو من مصيره الشعري لأن الشعراء الذين سبقوه لم يتركوا له مجالاً ليحمل شعره مضامين جديدة وعلينا ألا ننسى أن هذا الكلام قيل في القرن السادس.‏


إذن، إذا أراد الشاعر أن يضيف إلى شعره شيئاً إبداعياً جديداً فعليه أن يكون ذا تناسق متواصل مع الإلهام الذي يحفز الشاعر للبحث عن فضاءات جديدة. إنه يجب أن يستفز فيه المشاعر. حتى يوصله إلى اكتشاف الحقيقة وكسب المعرفة. ولذا ليس من الغريب إن كانت هناك صلة ولو خاطفة بين الشاعر والكاهن والشعر الجاهلي خاصة إذا لم ننس أن الفعل (شَعَر) كان في البدء مرادفاً للفعل (عَلم)، وإن صلتهما تفهم بالذات وقبل كل شيء عن طريق (صنف) في الإلهام. فهناك اعتقاد سائد بأن الكاهن كان يحصل على الإلهام بمساعدة إبليس أو الشيطان، وإن هذا الاعتقاد قد امتد بعد ذلك إلى الشاعر أيضاً. كما أن هناك دليلاً نجده في تسلسل الشعراء الجاهليين والمخضرمين الذين تقوم بينهم صلة القرابة (المهلهل امرؤ القيس عمرو بن كلثوم، طرفة المتلمس، زهير كعب بن زهير وغيرهم). وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن أسرار نظم الشعر كانت تنتقل من شاعر إلى شاعر مختار آخر ضمن "طائفة" معينة ومحدودة.‏


وربما كانت هذه الصلة تساعد الشعراء مثل الكهنة على أن يعبروا عن أنفسهم بطريقة إبداعية خاصة، مثلما كان الكهنة يستخدمون السجع في خطبهم. ومن جهة أخرى، فإن لغة القرآن لغة مسجوعة ولذا كان بعض القرشيين يتهمون الرسول محمداً ( بانتمائه إلى صفوف الكهنة. ومن هذا يمكننا أن نتوقع بأن الصلة التي تربط الشعراء بالكهنة كانت لغة السجع. ولغة الشعراء هي لغة البيت والقافية. وأما بخصوص الرسول محمد ( فقد اضطر أن يدافع عن نفسه ضد هذه التهمة كما ورد ذلك في سورتي الحاقة والطور. ولكن بالنسبة لما نود الإشارة إليه هو أن الرسول في سورة الشعراء رد على الشعراء بالشعراء أنفسهم مثلما فعل أفلاطون في جمهوريته ووسمهم بصفة الكاذبين. وفي الآيتين (210 211)، من نفس السورة نجد الفكرة التي تقول بأن القرآن لم ينزل على الشياطين، أي على الكهنة أو الشعراء لأنهم "وماينبغي لهم و مايستطيعون "ويتهم القرآن الشياطين الذين تآمروا على البشر ويتسمعون لما يجري في السماء وبإمكانهم أن ينقلوا المعارف السرية كالأشخاص الذين يمتلكونها إلى الناس المختارين في الدنيا.‏


ومن هذه الفكرة يبدو أن الشعراء قد أصبحوا مثل الكهنة السذج. ولكن هذه التهمة التي وردت بالقرآن قد لا تستطيع أن تحطم القدرة الشعرية (أو السحرية)، تحطيماً كاملاً. ولذا أضاف القرآن تهمة أشد وأقوى عندما ذكر بأن الشعراء يتكلمون بما لا يستطيعون تحقيقه ولذا فإن عملهم وشعرهم ليسا منسجمين وإن من يتبعهم هو في ضلال ولكن ما أراه أهم هو هذه الصلة بين إبليس أو الشيطان والشاعر، كما أن رأي الشاعر الجاهلي في القدر وبحثه عن الحقيقة و المعرفة يذكرنا بما جرى، إلى حد ما، بفاوست غوته الأسطوري، وأخيراً بالثقافة الفاوستية، هذه الثقافة الخاصة التي ولدت في حضن الثقافة الجرمانية، وهناك وجه آخر لنفس العملة، كما يقال، أي هذه الظاهرة تقول إن الكاهن أو الشاعر أو الإنسان بوجه عام يحصل على المعارف السرية ويبرزها في أماكن الطقوس (وأنا أرى عكاظ والمربد والأسواق الأخرى أماكن للطقوس)، ويحرك نفوس المستمعين ومن ثم كل شيء ينتهي عند ذلك. ولذا اسمحوا لي بطرح السؤال التالي: لماذا لم تنجب هذه البذرة الفاوستية التي نجدها في بداية الثقافة العربية محاولة اللهاث وراء المعرفة ومحاصيلها؟ ولماذا لم تتحقق الثقافة الفاوستية في مفهومها الأوروبي الحديث؟ وأعتقد أن الجواب الوحيد الذي أستطيع أن أقدمه هنا هو عدم وجود الجو المناسب في الأطراف الأخرى لحياة المجتمع العربي آنذاك، لأن هذه الفكرة الفاوستية ظهرت بشكل مبكر تقريباً، في المرحلة البدائية من تشكل العقل الإنساني. ولكن هذه الظاهرة ساعدت مساعدة واضحة على ظهور الإسلام كمرحلة أرقى وأعلى في سير الثقافة نحو الأمام كما تمثلت هذه الظاهرة في بداية انتشار الإسلام في "جوع" الأعراب للتعلم أكثر وتوسيع آفاقهم وليعوضوا كل ما لم يعرفوا في جاهليتهم.‏


ولنتوقف الآن قليلاً عند الفرق الجوهري بين النظريتين العربية والأوروبية تجاه مفهوم صنف الإلهام، وقد يحيرنا هذا الفرق لأننا نجد أن آلهة ما تقف وراء النظرية الأوربية، بينما يقف وراء الشاعر الجاهلي الشيطان نفسه، قبيحاً مطروداً، مستفزاً. وفي اعتقادي أن هذا الشيطان هو الذي يسمو بهذا الشعر إلى مستوى الإبداع ويجعله شعراً مادياً وتشكيل وتكوين نظرية الشعر الواقعي ولأنه كذلك فالقصيدة عند الشاعر الجاهلي تجد حاجة شديدة في سعيها للوصول إلى كشف مكنونات الطبيعة. والقصيدة تمثل، كما هو معروف، شكلاً أدبياً ممزوجاً(11)، من ثلاثة أجزاء مختلفة: الجزء الأول منها، الذي نسميه النسيب يشير إلى ميزة أساسية عند الشاعر الجاهلي أو إلى (الموتيف) ( motiv) الأساسي الحاجة الجامعة إلى الأسفار والبحث عن المجهول والمفقود. ولذا أرى في هذا الجزء، عندما يبحث الشاعر الجاهلي عن حبيبته ويسرد ذكرياته معها ويقف مناجياً أطلالها، إن هناك رمزاً أصيلاً يسري في عروق الشعر العربي حتى أيامنا هذه. إن "موتيف" الفرار الدائم هو المحرك الحقيقي ليس للشعر الجاهلي فحسب بل وحتى للشعر المعاصر. يصف الشاعر تأبط شراً في القرن السادس صاحباً له كان لاهث الشوق للأسفار غير آبه برحاب القفار (وفي رأينا هذا رمز المغفرة)، والظمأ (رمز المعرفة) والخطر (رمز العقاب) الذي يداهم المسافر عند كل خطوة. ويمكن تتبع مثل أولئك المسافرين والتائهين بين الشعراء (أمثال تأبط شراً والشنفرى وامرئ القيس)، من خلال الشعر الجاهلي عامة، كما يمكن ذلك في القرون الوسطى، ولكن بشكل أقل وضوحاً، باستثناء المقامات. ويبدو أن الحضارة الشمسية تغلبت هذه الفترة (القرنين الحادي عشر والثاني عشر)، على الحضارة القمرية. وحتى في أ يامنا هذه نشهد ميول الشعراء إلى الأسفار والتيه وذلك على سبيل المثال من خلال أشعار بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وسعدي يوسف، والفيتوري، ويمكننا تلمس هذه الظاهرة في قصص ألف ليلة وليلة، وإن كان الباحثون الأوربيون بشكل خاص يلاحظون تأثير الهنود في ذلك الموضوع، غير أني أعتبر هذا الرأي غير سليم.‏


والرجل المسافر يحتاج على الدوام إلى أن يعلم مصيره. والمصير عند الشاعر امرئ القيس يعبر عن فضاء رحب الأشواق والعدو خلف ما يفلت من العقل البشري. ويعبر هذا الشاعر عن البشر والمستقبل في شعره بعاملين أحدهما يبني بوعي والآخر يهدم بجهله. ويمكننا الاستنتاج أن الشاعر الجاهلي يتعذب إلى حد ما من أجل كشف مكنونات الفضاء والطبيعة غير أن بعض المستشرقين يصفونه بالمادية ويتهمونه بجفاف الأسلوب وحتى يبدو بالنسبة إليهم مملاً، ناسين أن أي شعر بدائي لا يستطيع أن يتجاوز عصره البدائي، ولكن ذاتية هذا الشعر تجذبنا من جديد عندما نجدها قد تطورت في القرنين 8 10 إلى الشك الذي اندثر بعد ذلك بسرعة مع شديد الأسف وتحول إلى الخفوت والركود (12).‏


بقي فقط الوهج البلاغي وتلاشى النبض الجمالي. ويبدو أن الشعر الكلاسيكي قد وصل إلى نصف العمود الذي يربط الأسفل والأعلى ليأتي الشعر المعاصر ويبدأ صعوده مع هذا العمود إلى أعلاه.‏


إن المصير الذي يهتم به شعراء البادية هو مصير متقلب مستتر، ولذا ليس من الغريب أن ينظروا ولو نادراً خارج شخصياتهم الضعيفة المحدودة التأثير ولذا فإن هؤلاء الشعراء، حسب تقاليد الساميين القدامى وحسب تقاليد حضارات وادي الرافدين، يتطلعون إلى الطبيعة والنجوم للحصول على الأجوبة التي طرحتها روح متسائلة ومتعجبة وعلى سبيل المثال، الشعر المعاصر يواصل هذه "الخبرة" فإن الشاعر السياب كثيراً ما يتطلع إلى النجوم ولكنه يرمز في شعره بشيء معاكس للنجوم وهو الصدف. ويعني هذا الربط عذاب الإنسان أمام الحقيقة، أي بين النور والظلام، بين التفاؤل والتشاؤم، بين الأسرار والمعرفة. وكان عرب الزمن القديم يؤمنون بأن هبوط النجوم ينبئ بوفاة نبيل أو بولادته. ولكن شعراء القرون الوسطى يحاولون اجتياز هذه الهاوية وعدم الانسجام بين البشر والفضاء عن طريق إهمال هذه المسألة.‏


ومن خلال هذا البحث السريع أود أن أبين للقارئ أن هذا الإلهام شبه الفاوستي ترك أثراً مهماً ليس في الشعر العربي فحسب، وإنما في الثقافة عموماً بالرغم من أنه لم يستطع أن يؤثر على ظروف هذا العصر البدائي والعصور التي تلته، ولذا كان الإلهام لمدة قصيرة محاولة للبحث عن مقاومة الحقيقة وبث الشكوك(13) ولكنه تحول بمرور القرون، إلى حركة جديدة في الشعر العربي المعاصر (القرن العشرين وبالخصوص منذ الخمسينات)، عندما أصبح الشعر الحر يبني طرقه الجديدة، مؤكداً على وجود الإنسان.‏
__________________________________________________ ____________________

التعديل الأخير تم بواسطة شاعر جار عليه الزمان ; 12-09-2009 الساعة 08:06 PM
رد مع اقتباس
اقرأ ايضا جديد الأخبار لحظه بلحظه على ايجي لفرز
قديم 03-16-2010   #2
خطاطمحمدعلوى
..:: عــضــو رهيب ::..
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: EGYPT
المشاركات: 514
افتراضي رد: بحث فى ذاتية الشعر الجاهلى

رائع

خطاطمحمدعلوى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-16-2010   #3
خطاطمحمدعلوى
..:: عــضــو رهيب ::..
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: EGYPT
المشاركات: 514
افتراضي رد: بحث فى ذاتية الشعر الجاهلى

لا اله الا الله

خطاطمحمدعلوى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2010   #4
هكر سعودي
..:: عــضــو نــشيــط ::..
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 237
افتراضي رد: بحث فى ذاتية الشعر الجاهلى

السلام عليكم

هكر سعودي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2010   #5
هكر سعودي
..:: عــضــو نــشيــط ::..
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 237
افتراضي رد: بحث فى ذاتية الشعر الجاهلى

شكرا على هذا المجهود

هكر سعودي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2010   #6
هكر سعودي
..:: عــضــو نــشيــط ::..
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 237
افتراضي رد: بحث فى ذاتية الشعر الجاهلى

اتمنى لكم اطيب الاوقات

هكر سعودي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2010   #7
هكر سعودي
..:: عــضــو نــشيــط ::..
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 237
افتراضي رد: بحث فى ذاتية الشعر الجاهلى

تصبحون على خير

هكر سعودي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-25-2010   #8
هكر سعودي
..:: عــضــو نــشيــط ::..
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 237
Good2535[1] رد: بحث فى ذاتية الشعر الجاهلى

الى لقاء قريب

هكر سعودي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-29-2010   #9
elkenawy
..:: عــضــو مجتهد ::..
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 30
افتراضي رد: بحث فى ذاتية الشعر الجاهلى

شكرا على الموضوع وألف شكر يا باشا

اتمنى لكم اطيب الاوقات

elkenawy غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-30-2010   #10
terkawy
Banned
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: http://www.egylovers.com
المشاركات: 426
افتراضي رد: بحث فى ذاتية الشعر الجاهلى

مشكور على الموضوع وننتظر المزيد وبالتوفيق

terkawy غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أرجو, التثبيت, الجاهلى, الشعر, العربي, ذاتية, تاريخ, تحب
تعليقات زوار الموقع على الفيس بوك


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:41 AM.


Follow @elmaazon تابع ايجى لفرز على الفيس بوك وتويتر لحظه بلحظه