مكتبة الكتب هنا هتلاقي كتب في شتي المجالات...



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-19-2011
b!nt masr b!nt masr غير متواجد حالياً
Fezo
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: Sohag
المشاركات: 2,974
افتراضي مكتبة ملف المستقبل الالكترونية


مكتبة المستقبل الالكترونية
فى هذا الموضوع
ستجدون كل قصص ملف المستقبل الالكترونية تابعونا
مجدداً
_فهرس الاغلفة قريباً_
الخلفيات قريباً
1-التجربة
مكتبة المستقبل الالكترونية
2-كائنات
مكتبة المستقبل الالكترونية
3-الجيل الثالث
مكتبة المستقبل الالكترونية
رد مع اقتباس
اقرأ ايضا جديد الأخبار لحظه بلحظه على ايجي لفرز
قديم 06-19-2011   #2
b!nt masr
Fezo
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: Sohag
المشاركات: 2,974
افتراضي رد: مكتبة ملف المستقبل الالكترونية

مع الرواية الاولى
التجربة


ملحوظة هذا العدد صدر تحت عنوان كائنات
المقدمة
في مكان ما من أرض مصر، وفي حقبة ما من حقب المستقبل، توجد القيادة العليا للمخابرات العلمية المصرية.. يدور العمل فيها بهدوء تام وسرية مطلقة.. من أجل حماية التقدم العلمي في مصر.. ومن أجل الحفاظ على الأسرار العلمية التي هي مقياس تقدم الأمم..
ومن أجل هذه الأهداف يعمل فريق نادر تم اختياره بدقة بالغة:
- نور الدين: واحد من أكفأ ضباط المخابرات العلمية يقود الفريق.
- سلوى: مهندسة شابة، وخبيرة في الاتصالات والتتبع.
- رمزي: طبيب بارع متخصِّص في الطب النفسي.
- محمود: عالم شاب وإخصائي في علم الأشعة.

فريق نادر يتحدَّى الغموض العلمي والألغاز المستقبلية.. إنهم نظرة أمل للمستقبل.. ولمحة من عالم الغد.

د. نبيل فاروق

والآن مع الفصل الاول
1 - تجربة
ارتفعت دقات قلب "سلوى" في عنف، وهي تعدو عبر تلك المساحة الهائلة المنبسطة، في ذلك العالم العجيب..

لم يكن أمامها مكان واحد، يمكنها أن تحتمي به، أو فيه..
مجرد جبال هائلة، تبدو على مدى البصر، بلون أخضر فسفوري متألِّق، تحت سماء حمراء بلون الدم..

الأرض التي تعدو فوقها نفسها، كانت رخوة أكثر مما اعتادت في عالمها الأم..

وخلفها من بعيد، ظهر ذلك الكائن الرهيب، الذي يطاردها في إلحاح وحشي، عبر ذلك العالم العجيب..

كائن لا مثيل له في عالمها، أو في تاريخها كله..
ولوهلة، تمنت لو أن كل هذا مجرد حلم..
أو حتى كابوس..

المهم أنه أمر يمكن أن تستيقظ منه، لتجد نفسها في عالمها الأصلي، الذي تعرفه وتألفه..

ولكن الكارثة أن هذا، على الرغم من غرابته، واقع..
واقع رهيب، مخيف..
إلى أقصى حد..

ومن تحتها، راحت تلك الأرض الرخوة تهتز..
وتهتز..
وتهتز..

مع كل متر، يقترب فيه ذلك الكائن منها، كانت قوائمه الثقيلة تهز الأرض في عنف..

وعلى الرغم من هذا، توقفت "سلوى"..
لم تكن تدري أين يمكن أن تذهب أو تختفي بالضبط

فتوقفت، وتلفتت حولها، قبل أن تصرخ:
- "نور".. أين أنت يا "نور"؟!

تردَّدت صرخاتها بصدى عجيب فيما حولها، على الرغم من الفراغ الهائل، وتساءلت في أعماقها أين ذهب زوجها؟!..

أين ذهب "نور"؟!..
كان يرافقها خطوة بخطوة، عندما وصلا، على الرغم منهما، إلى هذا العالم المخيف..
كانا معاً، في كل ما واجهاه، وكل ما عانياه..

ثم كان ذلك الصراع الأخير..
وفقدته..
لم تدر حتى أين ذهب؟!..
ولا كيف اختفى؟!..
وها هي ذي وحيدة!!..
تائهة!!..
ضائعة!!..

وكائن هائل رهيب يطاردها، ويتقرب منها في سرعة خرافية، بحيث يستحيل أن تسبقه، أو حتى تفر منه، مهما فعلت..
فالجبال الفيروزية المتألقة تبدو بعيدة..
بعيدة..
بعيدة إلى أقصى حد..
والكائن يقترب..
ويقترب..
ويقترب..

وها هي ملامحه المخيفة تتضح..
إنها بالفعل لم تر مثيلاً له في عالمها قط..
ولا تتخيَّل حتى أن تراه..

كانت مجمَّدة في مكانها، وعضلاتها غير قادرة على الحركة، ولكن ما أن فتح ذلك الكائن فكيه، وظهرت أسنانه الحادة الطويلة، المتراصة على جانبي فكيه الطويلين، حتى انتفض جسدها..
صرخت مرة أخرى:
- "نور".. إنني أحتاج إليك.

حاولت أن تتشبث بالحياة، وأن تعدو..
وتعدو..
وتعدو..
ولكن كل خطوة من خطوات ذلك الكائن، كانت تعادل عشرين من أوسع قفزاتها..

لذا فقد راحت المسافة بينه وبينها تتناقص..
وتتناقص..
وتتناقص..

وفي خطوة أخيرة، تجاوز عدوها، وأصبح أمامها، يسدّ عليها الطريق، في وحشية ما بعدها وحشية..

وصرخت "سلوى"..
صرخت باسم "نور"، بكل ما تملك من قوة، وكل ما يعتمل في أعمق أعماق نفسها من رعب..

ومع صرختها، انقضّ عليها الكائن، فاتحاً فكيه عن آخرهما..
وعندئذ لم يعد أمامها من مفر..
أي مفر..

* * *
ثلاثة أيام فحسب، قبل ذلك الموقف، كانت بداية الأحداث..
وكانت بداية عادية..
في عالمنا الأرضي..
أو فلنقل: إنها كانت بداية مرحة..
وعائلية..

ففي ذلك اليوم، الذي بدأ فيه كل شيء، كان "نور" يقود سيارته الصاروخية، عائداً إلى منزله، وهو يقول لزميله "أكرم" في شيء من الضيق:
- منذ التقينا وأنت تدور حول أمور شتى يا "أكرم"، ولم تخبرني بعد هذا الأمر المهم، الذي طلبت لقائي من أجله، ولماذا يتحتم معه أن أعود إلى المنزل.

هزَّ "أكرم" كتفيه، وقال مبتسماً:
- ربما أبحث عن تمهيد مناسب فحسب.

تطلّّع إليه "نور" لحظة في اهتمام، ثم عاد يولي اهتمامه للطريق، وهو يقول في حزم:
- ابتسامتك أنبأتني بأنه لا توجد مشكلة ما، ولكن تلك اللهجة الغامضة، التي تتحدَّث بها، توحي بأنك تخفي عني أمراً مهماً.

أطلق "أكرم" ضحكة مرحة، وهو يقول:
- لا فائدة يا "نور".. عقلك لا يستطيع أن يكف عن الاستنتاج والاستنباط قط.

ابتسم "نور" في حذر، وهو ينحرف داخل حديقة منزله، مغمغماً:
- وعقلك لا يكف عن التآمر أبداً.

غمز "أكرم" بعينه، وهو يغادر السيارة، قائلاً:
- ربما هذا جزء من شخصيتي.. دعنا نسأل الدكتور "رمزي".

فتح "نور" باب منزله، وهو يقول:
- لست أدري أين هو، فلم أرَه منذ الصباح، ولم..

بتر عبارته دفعة واحدة، وانعقد حاجباه في توتر، ويده تتحرَّك في غريزية، لتمسك قبضة مسدسه الليزري، فسأله "أكرم" في صوت خافت، وكأنما استشعر خطراً ما:
- ماذا هناك؟!

أجابه "نور"، وهو يسحب مسدسه في حذر:
- المدخل مطفأ.. والمفترض أن يعمل الصمام الإليكتروني، فور فتح الباب، ليضيء المدخل.

غمغم "أكرم":
- ربما احترق المصباح.

غمغم "نور"، وهو يتقدَّم، في حذر أكثر:
- وربما أن..

قبل أن يتم عبارته، اشتعلت الأضواء فجأة، وارتفع هتاف مرح:
- مفاجأة!

أغشت الأضواء المفاجئة بصر "نور" لحظة، شهد خلالها مسدسه في تحفز غريزي، ثم لم يلبث أن فتح عينيه، مع هتاف يحمل صوت زوجته "سلوى"، بكل مرح الدنيا:
- عيد ميلاد سعيد يا زوجي الحبيب.

اتسعت عيناه في دهشة، تمتزج بالفرح، عندما تعلَّقت "سلوى" بعنقه، وطبعت قبلة على خده، ثم تبعتها ابنته "نشوى"، وهي تقول في مرح:
- هذا يعني أن فارق العمر بيننا قليل للغاية.. رسميا"*".

ضحك "نور"، والتفت إلى "أكرم"، قائلاً:
- إذن فهذه هي المؤامرة؟!..

رفع "أكرم" كفيه، هاتفاً في مرح:
- اعترف بالذنب.

ثم ضم زوجته "مشيرة" إليه، مستطرداً:
- ما رأيك بمفاجأة مماثلة، في عيد زواجنا القادم؟!

تملَّصت منه، قائلة:
- وكيف تكون مفاجأة، وقد أبلغتني بها مسبقاً أيها الحاذق؟!..

عاد يضمها إليه، قائلاً:
- هل تراهنين أنه باستطاعتي مفاجأتك، على الرغم من هذا؟!

حاولت أن تتملَّص منه مرة أخرى، فضحك "نور"، قائلاً:
- أظنني سأشعر بالدهشة، لو رأيت "أكرم" و"مشيرة" يتحدثان في هدوء يوماً ما.

همَّت "سلوى" بقول شيء ما، عندما انبعث أزيز مفاجئ، من ساعة "نور"، فوجم الكل دفعة واحدة، وغمغمت "نشوى" في ضيق:
- ها هي مناسبة أخرى، لن يمكننا الاحتفال بها.

أما "نور"، فقد اندفع، فور سماعه الأزيز، إلى حجرة مكتبه، وأغلق بابها خلفه في إحكام، ثم ضغط زراً جانبياً في ساعته، فتوقف الأزيز على الفور، وظهرت صورة هولوجرامية ثلاثية الأبعاد، للقائد الأعلى للمخابرات العلمية، أمام "نور" مباشرة، والذي اعتدل في احترام، قائلاً بلهجة عسكرية:
- المقدِّم "نور"، في خدمتك يا سيِّدي.

أشار القائد الأعلى بيده، قائلاً:
- دائماً ما أثق في سرعة استجابتك للنداء يا "نور".

اعتدل "نور"، بوقفة عسكرية أكثر حزماً، وأرهف سمعه جيداً، وصوت القائد الأعلى ينبعث من ساعته، ليتوافق مع الصورة الهولوجرامية، وهو يواصل:
- أظن الأمر لا يحتاج إلى الكثير من الذكاء؛ لتدرك أن هناك ما يستوجب تدخل فريقك يا "نور".

تساءل "نور":
- أهو أمر عاجل؟!

أجابه القائد الأعلى:
- بل هو أمر غامض.. وربما إلى أقصى حد.

انتبه "نور" جيداً، والقائد الأعلى يتابع:
- قل لي أوَّلاً: ما معلوماتك عن الدكتور "صفوت بصَّال"؟!

تروَّى "نور" لحظة مفكراً، قبل أن يجيب:
- الدكتور "صفوت" هو واحد من أكثر علماء "مصر" شهرة، في مجال الفيزياء التجريبية، ولقد تم ترشيحه مؤخراً لنيل جائزة "نوبل"؛ بسبب أبحاثه المتطوِّرة، في مجال ما يعرف باسم "المونوبول"..

سأله القائد الأعلى في اهتمام:
- وهل تعرف ما "المونوبول"؟!

أجابه "نور" في سرعة:
- بالطبع يا سيِّدي، فهو تصغير الأجسام، الصلبة والحية، عبر إزالة الفراغات الجزيئية في مادتها، أو ضغطها إلى أقصى حد، ولقد بدأت أبحاث "المونوبول" الفيزيائية، منذ تسعينيات القرن العشرين، وتطوَّرت في الولايات المتحدة الأمريكية، و"فرنسا"، و"مصر"، وظهرت نتائج التصغير الأولى الناجحة في أوائل القرن الحادي والعشرين، وحتى أعلن الدكتور "صفوت بصَّال" أنه قد توصَّل إلى كشف، سيعد قنبلة علمية، في هذا المجال.

قال القائد الأعلى مؤيداً:
- بالضبط يا "نور".. معلوماتك في هذا الصدد ممتازة، فيما عدا ما حدث أمس.

سأله "نور" في قلق:
- هل تعرَّض الدكتور "صفوت" لخطر ما؟!

لم يجب القائد الأعلى تساؤله مباشرة، وإنما تابع، وكأنه حتى لم يسمعه:
فحتى مساء أمس، كان الدكتور "صفوت" وحده، في معمله الخاص، الذي وضعنا عليه حراسة مشدَّدة، حفاظاً على حياته، قبل إعلان كشفه العلمي، وكان يجري تجارب خاصة، لم يتم تسجيلها في برنامج عمله، واستخدم فيها مسبار الأشعة البروتونية، عندما...

صمت بغتة، وكأنه يعجز عن المواصلة، فتضاعف انتباه واهتمام "نور"، وهو يغمغم:
- عندما ماذا؟!

صمت القائد الأعلى لحظة أخرى، ثم أجاب في حسم:
- عندما اختفى فجأة.. ودون أن يترك خلفه أدنى أثر.

وتراجع "نور" بحركة حادة..
فالخبر كان مفاجأة..
ساحقة.

* * *

b!nt masr غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-19-2011   #3
b!nt masr
Fezo
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: Sohag
المشاركات: 2,974
افتراضي رد: مكتبة ملف المستقبل الالكترونية

3- بلا أثر..

عبر عدسة مكبرة شديدة القوة، راح أفراد الفريق يفحصون أرضية معمل الدكتور (صفوت) بمنتهى الدقة، حتى أنهم لم يتركوا سنتيمتراً واحداً دون فحص، و(نور) يقول في حزم:
- سنفترض طوال الوقت أن الدكتور (صفوت) سقط عفواً، في مسار أشعة التصغير، التي تضاعفت قوتها لسبب ما، معطية ذلك الوهج الشديد، مما أدى إلى تقلُّص حجمه إلى درجة كبيرة.

غمغم (أكرم)، في شيء من السخط:
- كنا سنجده، حتى لو أصبح في حجم عقلة الإصبع.

هزَّ (نور) رأسه، قائلاً:
- سنغرق في الخيال، ونتصوَّر أنه انكمش إلى ما هو أصغر من هذا؛ لذا فسنفحص الشقوق الرفيعة، بين قطع رخام الأرضية، وأية فجوة نجدها، ولن نهمل أي احتمال، مهما بدا بعيداً.

تمتمت (سلوى):
هذا ما نقوم به بالفعل.

أجابها (نور):
- وسنواصل القيام به، حتى نتيقَّن من أن هذا الاحتمال، الغرق في الخيال، ليس وارداً.

تابع الكل عملهم، بمنتهى البطء والدقة، و(نشوى) تسجِّل النتائج على شاشة جهاز الكمبيوتر الخاص بها، أوَّلاً بأوَّل، ومع فجر اليوم التالي، كانوا قد انتهوا من مهمتهم، فتثاءب (أكرم)، وهو يقول في إرهاق شديد:
- نستطيع الجزم الآن، بأن الرجل لم يختف هنا.

أشار (نور) بسبَّابته، قائلاً في حزم:
- هذا ينطبق على الأرضية وحدها.

تساءل (رمزي):
- ماذا تعني؟!

أجابه (نور) على الفور:
- لو أن الوهج الذي رأيناه، قد أدى إلى تقلُّص حجم الدكتور (صفوت)، إلى حد يفوق المتوقَّع، فسيعني هذا أنه صار في حجم ذرة غبار أو أقل، مما قد يطير جسده معه، بفعل الطاقة الناجمة عن الوهج، ليحط على أي جسم هنا.. ربما المنضدة، أو أحد الأجهزة، أو حتى مدفع الأشعة النيوترونية نفسه.

هتف (أكرم):
- أيعني هذا أن علينا أن نفحصها كلها؟!

أشار إليه (نور)، قائلاً:
- بالضبط.

وعلي الرغم من الإجهاد الشديد، الذي يشعرون به، والشمس التي تشرق، وتلقي خيوطها الذهبية، عبر ستارة النافذة، بدأ أفراد الفريق الجزء الثاني من بحثهم..

وكان عليهم أن يجدوا رجلاً اختفى بلا مقدمات..
وبلا أدنى أثر!!..

* * *
ذلك العالم كان مخيفاً..
مخيفاً إلى أقصى حد..

سماء حمراء بلون الدم..
تألُّق عجيب لكل شيء..
وجبال شاهقة..
مخيفة..
فيروزية..
حية..
وأرض رخوة، على نحو يثير في النفس شعوراً غريباً..

وتلك الكائنات..
آه من تلك الكائنات..
كائنات عملاقة، مخيفة، تتحرَّك بسرعة لم ير مثلها من قبل..
وتلتهم كل شيء..
كل شيء بلا استثناء..

ومن الواضح أنه البشري الوحيد، في ذلك العالم..
الصمت الرهيب، المحيط به من كل جانب، يؤكِّد هذا تماماً.

فعلى الرغم من الاتساع الرهيب، لكل ما يحيط به، لا ينبعث من ذلك العالم الرهيب أدنى صوت..

حتى تلك الكائنات، التي تتحرَّك بسرعة، وتلتهم كل ما أمامها، لا تصدر أدنى صوت..
فقط تهتز الأرض تحت وقع خطاها الثقيلة..
الأرض الرخوة، ذات اللون الأخضر الداكن..
ويا له من مشهد!..
وبكل رعبه، راح الدكتور (صفوت) يعدو..
ويعدو..
ويعدو..

لم يكن هناك من مهرب، أو مفر..
الأمل الوحيد، هو ألا تنتبه إليه تلك الكائنات..
رآها تقترب من بعيد، فبحث عن أي مكان للاحتماء، ولم يجد أمامه سوى صخرة كبيرة، من تلك الصخور الفيروزية المتألِّقة..
وبسرعة، اختفى خلف الصخرة، وراح يراقب تلك الكائنات في هلع وارتياع، وقلبه يخفق في قوة وعنف، وهو يدعو الله عزَّ وجلَّ ألا تلمحه تلك المخلوقات..

ولكن ترى هل تحتاج إلى هذا بالفعل؟!..
إنها كائنات عملاقة، ولكنه لا يرى لها أية ملامح؟!..
ليست لها عيون!..
على الأقل، ليس كما اعتدنا ونعرف..
هناك وسيلة أخرى حتماً، تجذبها نحو فرائسها..
ومن بعيد، راح يراقب..
ويراقب..
ويراقب..

ثم فجأة، شعر بتلك الحركة خلفه..
والتفت بكل ذعر الدنيا..
واتسعت عيناه عن آخرهما..
فمن تلك الأرض الخضراء الداكنة، راحت تبرز أجسام أرجوانية، أشبه بقطع من الأحجار البلورية الضخمة..
وفجأة، بدأت تتحرَّك..
وتتجه نحوه..
مباشرة..

وهنا، انتفض جسده بكل رعب الدنيا، وتراجع مذعوراً، وأدرك أنه قد صار محتجزاً، بين المطرقة والسندان..
فمع انتفاضته المباغتة، وبوسيلة ما، انتبهت الكائنات الهائلة الأولى إليه..
كلها توقفت فجأة، ثم استدارت إليه، واتجهت نحوه، بتلك السرعة الفائقة الرهيبة..

وعندئذ، لم يدر الدكتور (صفوت) أين يذهب..

وبكل ما تموج به أعماقه من انفعالات، صرخ:
- أي عالم هذا؟!..

وانطلق صراخه يتردَّد على نحو عجيب، وسط ذلك العالم الصامت الرهيب..
بلا مجيب..
وبلا أمل..

* * *
زفرة حارة ملتهبة، انطلقت من بين شفتي (أكرم)، وهو ينخفض بجسده ليجلس أرضاً، قائلاً:
- أظننا فعلنا كل ما بوسعنا يا (نور).

كان الجميع مجهدين على نحو واضح، بعد أن مالت الشمس للمغيب، دون أن يتوقفوا عن البحث لحظة واحدة، منذ عصر اليوم السابق..

وفي تهالك، أضافت (سلوى):
- لا يمكن أن يكون الدكتور (صفوت) هنا، بأي حال من الأحوال.

غمغم (رمزي):
- ولا حتى في شقوق الأرضية.

بدا (نور) متوتراً، كعادته كلما استغلقت عليه الأمور، وحار في إيجاد تفسير علمي منطقي لأمر ما، وهو يقول:
- ولكن الرجل لم يتلاش حتماً.. هناك شيء لم ننتبه إليه بالتأكيد.. أنتم تعرفون القاعدة، ما من شيء يمكن أن يختفي، دون أن يترك خلفه أثراً ما.

مسحت (نشوى) جبهتها في إرهاق، وهي تقول:
- أحياناً ما يكون ذلك الأثر من الضخامة، بحيث لا ينتبه إليه أحد.

غمغم (أكرم):
- كيف أيتها النابهة؟!

أجابه (نور) في اهتمام:
- (نشوى) على حق، فعندما يبدأ ذهنك في البحث عن أية آثار دقيقة، قد لا تنتبه إلى أثر كبير، يواجهك طوال الوقت؛ لمجرد أن عقلك قد استبعد مثل وجوده.

اعتدل (رمزي)، قائلاً:
- هذا صحيح.. من الناحية النفسية على الأقل.

هزَّ (أكرم) رأسه في عنف، وهو يقول:
- لن يمكنكم إقناعي بهذا قط.. كيف يمكنني ألا أنتبه إلى وجود فيل، في حجرة أبحث فيها عن نملة؟!

أجابه (رمزي):
- في الواقع أن..

قاطعه (أكرم) في صرامة:
- لا تحاول.

ثم نهض، ومد يده نحو علبة المياه الغازية، التي تتوسَّط القرص العاكس، وهو يستطرد:
- لست بحاجة إلى حوار سفسطائي الآن.. كل ما أنشده بحق، هو قليل من تلك المياه الغازية، حتى ولو لم تكن باردة كما اعتدتها، و...

وهنا، انتفض (نور) في عنف، وهتف بكل قوته:
- احترس.

والتفت إليه الكل بدهشة..
بمنتهى الدهشة.

* * *

b!nt masr غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-19-2011   #4
b!nt masr
Fezo
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: Sohag
المشاركات: 2,974
افتراضي رد: مكتبة ملف المستقبل الالكترونية

2 - عقلة الإصبع..
"يبدو أنك تصر على أن تكون المفاجأة من نصيبنا نحن يا "نور"!.."

نطق "أكرم" العبارة في تبرم، وهو يجلس إلى جوار "نور"، في سيارة هذا الأخير، فقالت "سلوى"، من المقعد الخلفي:
- نداء الواجب، يجب أي نداء آخر.

لوَّح "أكرم" بيده، قائلاً:
- أعلم هذا.. لقد حفظت هذه العبارة، عن ظهر قلب.

ابتسم "رمزي"، وضم إله زوجته "نشوى"، وهو يقول:
- لا تجعلوا غضب "أكرم" الزائف هذا يخدعكم، فهو مخلص لعمله، ربما أكثر منا جميعاً، ولكنه لا يقاوم إبداء تبرمه وحدته، حتى في لحظات فرحه.

ضحكت "سلوى" و"نشوى"، في حين تساءل "أكرم" في حنق:
- ولماذا أفعل هذا أيها العبقري؟!

أجابه "رمزي" في سرعة:
- مشكلة نفسية يا صديقي.. رغبة لا تقاوم، في إثبات التفرُّد والقوة.. محاولة للتميُّز، و...

قاطعه "أكرم" في حدة:
- كفى.. قبل أن تعلن أنني معتوه، فاقد الأهلية.

هتف "رمزي":
- لا تقع في الخطأ نفسه، الذي يقع فيه العامة يا صديقي؛ فالفارق كبير بين المشكلات النفسية، وحالات الجنون أو العته.

لوَّح "أكرم" بيده في حدة، قائلاً:
- قلت: كفى.

ثم التفت إلى "نور"، مستطرداً:
- ما بالك صامت هكذا؟!.. لماذا لا تشاركنا هذا الحديث؟!

أجابه "نور"، في حزم رصين:
- أي حديث؟!.. كل ما أفكر فيه الآن، هو ما أصاب الدكتور "صفوت".. كيف اختفى داخل معمل مغلق، تحيط به حراسة مشددة؟!.. لقد فحص علماء مركز الأبحاث كل شبر من المعمل، ولم يجدوا له أدنى أثر، بل ولم يجدوا حتى ما يفيد أن جسده قد تبخر، أو تلاشى.. لا في الجدران، أو الأرضية، أو حتى في هواء المعمل.

غمغمت "سلوى":
- لا أحد يتلاشى، دون أن يترك خلفه أثراً ما يا "نور"، وهذا ليس رأياً شخصياً إنسانياً، بل هو أيضاً مبدأ علمي، فالمادة عندما تتلاشى، تتحوَّل إلى طاقة، والطاقة لا تفنى، ولا تستحدث من عدم"*".. لو أنه اختفى داخل معمله، فهناك حتماً ولو أثر ضئيل للغاية، يشير إلى السبب.

هز "نور" رأسه نفياً، وقال:
- هذا ما تصوره الكل في البداية، وما استغرق منهم ليلة كاملة، في البحث والتمحيص، دون أن يجدوا ذلك الأثر الضئيل.. وربما لهذا استعانوا بفريقنا.

غمغم "أكرم":
- لا أحد يلجأ إلينا، إلا عندما تتعقد الأمور.

اندفعت "نشوى" فجأة، تقول:
- لاحظوا أن الدكتور "صفوت" كان يستخدم الأشعة النيوترونية، عندما اختفى داخل معمله.

تساءل "رمزي":
- وماذا في هذا؟!

أجابته في حماس:
- أضف لهذا أنه يجري تجاربه، الخاصة بـ"المونوبول"، وهذا يضعنا أمام احتمال مدهش.

أوقف "نور" سيارته أمام منطقة المعامل، وهو يقول في حزم:
- ألا يكون قد تلاشى تماماً.

هتفت في حماس:
- بالضبط.

قال "أكرم" في عصبية:
- ما الذي يعنيه هذا بالضبط؟!

أجابه "نور"، وهم يغادرون السيارة:
- "نشوى" تقصد، أنه من المحتمل حدوث خطأ ما في التجربة، أدى إلى انكماش حجم الدكتور "صفوت"، فصار في حجم عقلة الإصبع.. وربما فقد الوعي أيضاً، وهذا ما جعلهم يعجزون عن إيجاده.

هزَّت "سلوى" رأسها نفياً، وقالت:
- هذا مستحيل، فوفقاً للتقرير الذي قدموه، بعد انتهاء البحث، تم وضع هذا الاحتمال في الاعتبار، وبناءً عليه، فحصت الأرضية كلها أولا، بعدسات تكبير قوية، قبل إعلان اختفاء الدكتور "صفوت"، رسمياً.

التقى حاجبا "نور"، وهو يغمغم:
- هذا يزيد الأمر غموضاً.

كانت هذه نفس العبارة، التي استخدمها مدير المعامل العلمية، الدكتور "عز الدين"، عندما استقبل أفراد الفريق في مكتبه، قبل أن يضغط أحد الأزرار أمامه، قائلاً:
- آلات المراقبة سجلت ما حدث، حتى لحظة الاختفاء، وعلى الرغم من هذا، فخبراؤنا لم يكشفوا حل اللغز الغامض.

مع ضغطة الزر، اشتعلت شاشة كبيرة، أمام أفراد الفريق، وبدت عليها صورة الدكتور "صفوت"، وهو يجري تجاربه، ويعدل اتجاه جهاز الأشعة الأيونية، ليوجهها نحو علبة من علب المياه الغازية، وضعها فوق قرص معدني عاكس خاص..

وبمنتهى الانتباه، راقبه أفراد الفريق، وهو يواصل عمله، وغمغم "أكرم"، في شيء من العصبية، لم يكن له ما يبرره:
- يبدو لي ما يفعله عادياً، على الرغم...

بتر عبارته دفعة واحدة، ولكن رفاقه أدركوا ما ينوي قوله، وما أراد أن يشير إليه، من جهله بما يراه...
ولقد أدرك هو أنهم أدركوا، فانعقد حاجباه في توتر، وتراقصت أصابعه على مسدسه في غمده، فقالت "سلوى" لتتدارك الأمر:
- من الواضح أنها تجربة جديدة؛ لأننى أجهل ما يفعله بالضبط.

غمغم الدكتور "عز الدين":
- إنه يستعد لتصغير علبة المياه الغازية أمامه، باستخدام معادلات الأشعة الأيونية.

تساءلت "نشوى":
- هذا موضوع الجائزة، أليس كذلك؟!

أشار إليها الدكتور "عز الدين"، قائلاً:
- مهلاً.. تابعي ما سيحدث.

كان الدكتور "صفوت" على الشاشة، يصوب جهاز الأشعة نحو علبة المياه الغازية، ثم يضغط الزر..
وانطلقت الأشعة..
ومع انطلاقها، غمر الشاشة وهج رهيب..
وهج حجب الرؤية، وأغشى الأبصار كلها في شدة..

حتى إن "رمزي" أشاح بوجهه، هاتفاً:
- رباه!.. أي انفجار هذا؟!

أجابه الدكتور "عز الدين" في توتر:
- ليس انفجاراً، ولكنه وهج جهاز الأشعة الأيونية، ولكن الخبراء يؤكِّدون أنه يفوق الحد الأقصى لما اعتادوه من قبل.

هتف "أكرم" في حماس:
- هنا يكمن السر إذن؟!

أجابه الدكتور "عز الدين":
- بل يضيف لغزاً آخر للأسف؛ فقد فحص العلماء والخبراء جهاز الأشعة ثلاث مرات متتالية، وتأكدوا، دون ذرة واحدة من الشك، من أنه يعمل على نحو طبيعي، ولا يوجد أدنى سبب، لذلك الوهج الفائق.

كان الوهج قد انقشع على الشاشة، وعاد المعمل يبدو واضحا..
دون أدنى أثر للدكتور "صفوت"..

وفي توتر ملحوظ، غمغم "نور":
- إذن فهناك وهج غير طبيعي، انتهى باختفاء مباغت غير مفهوم!

غمغم الدكتور "عز الدين":
- بالضبط.

تبادل أفراد الفريق نظرة صامتة، قبل أن يقول "نور":
- مع احترامنا لكل ما فعله خبراؤكم، أظننا سنعيد فحص المكان... بأسلوبنا الخاص.

أجابه الدكتور "عز الدين":
- لقد توقعنا هذا، ووضعنا كل أجهزتنا رهن إشارتكم، بكل إمكانياتها.

هزَّ "نور" رأسه نفياً، وقال في حزم:
- معذرة يا دكتور "عز الدين"، ولكننا سنستخدم أجهزتنا.

وصمت لحظة، قبل أن يضيف، في حزم أكثر:
- وأسلوبنا.

لم يدرِ، وهو ينطق عبارته، أنه في اللحظة نفسها، كان الدكتور "صفوت" يواجه خطراً رهيباً، في عالم آخر..
عالم لا يمكن أن يخطر ببالهم..
أبداً.

* * *

b!nt masr غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-19-2011   #5
b!nt masr
Fezo
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: Sohag
المشاركات: 2,974
افتراضي رد: مكتبة ملف المستقبل الالكترونية

4 - الفيل.. والنملة..

تجمَّدت يد "أكرم"، قبل أن تلمس علبة المياه الغازية، وشارك الكل نظرة الدهشة العارمة، التي رموا بها "نور"، قبل أن تهتف "سلوى" في توتر:
- مِم يحترس بالضبط يا "نور"؟!

أجابها "نور"، وهو يتحرَّك بمنتهى الحذر:
- من الأثر يا عزيزتي.. الفيل الذي لم تنتبه إليه عيوننا، على الرغم من وضوحه السافر؛ لأننا انهمكنا في البحث عن النملة.

قال "أكرم" في عصبية:
- أي فيل وأية نملة؟!.. حلقي جاف للغاية، وأحتاج إلى رشفة من تلك المياه الغازية، قبل أن أزهد في المياه كلها.

أجابه "نور"، وهو يشير بيده في حزم:
- السؤال الحقيقي هو: هل بقيت مياه غازية، كالتي نعرفها؟!

حدَّق الجميع في علبة المياه الغازية لحظة، ثم نقلوا بصرهم إلى "نور"، وهتفت "نشوى" وحدها:
- رباه!.. لقد فهمت.

استدارت عيونهم إليها، فأضافت في حماس:
- العلبة بقيت مكانها.

أشار إليها "نور"، قائلاً:
- بالضبط.

ثم التفت إلى الآخرين، مستطرداً في انفعال:
- الشيء الذي غفل الكل، حتى نحن، عن الانتباه إليه، بسبب الانشغال باختفاء الدكتور "صفوت" المفاجئ، هو أن العلبة، موضوع التجربة الرئيسية، لم تصغر أو تنكمش، كما كان يتحتم.. لقد اختفى منفذ التجربة، وبقي موضوعها لم يمس.

اتسعت عيونهم جميعاً في دهشة، وهتفت "سلوى":
- رباه.. هذا صحيح.

وقال "رمزي" مبهوتاً:
- إنه تطبيق مدهش للنظرية يا "نور".. الكل انشغل بحدث غامض، ولم ينتبه إلى غياب الحدث الرئيسي.

اقترب "نور" من علبة المياه الغازية في حذر، وهو يقول:
- دعونا إذن نعيد صياغة السؤال، والعملية كلها من الأساس.. لماذا لم تنكمش علبة المياه الغازية، على الرغم من أنها كانت هدفاً لأشعة التصغير الأيونية؟!

أسرعت "سلوى" تقول:
- ربما لم تُصِبها الأشعة بالفعل.

أجابتها "نشوى" مفكرة:
- يمكننا إعادة عرض الفيلم المسجل، ولكنني أذكر أنها كانت موجهة إليها بالتحديد.

قالت "سلوى" في إصرار:
- ولكننا لا نعلم ما الذي أضافه الدكتور "صفوت"، في تجربته الأخيرة، التي كان يجريها، قبل أن يختفي مباشرة.

أشار "نور" إلى كمبيوتر الدكتور "صفوت"، قائلاً:
- أراهن أنه عدَّل بعض المعطيات، في التجربة الأخيرة، وربما كان هذا سبب الوهج المبالغ.

اتجهت "نشوى" نحو كمبيوتر الدكتور "صفوت"، وهي تقول في حزم:
- هذا أمر يمكن التيقن منه.

شغّلت الكمبيوتر، وبدأت عملها عليه بالفعل، في حين قالت "سلوى" بتفكير عميق:
- لو أنه غيَّر معطيات إطلاق الأشعة الأيونية، فهناك احتمال أنه لم ينكمش كما تصوَّرنا.

سألها "نور" في اهتمام:
- ماذا أصابه إذن؟!

أجرت بعض معادلاتها على أجهزتها، ثم رفعت رأسها إليه، وهي تجيبه في توتر:
- ربما نقلته الأشعة إلى مكان آخر.

غمغم "نور"، في مزيج من التوتر والحذر:
- مكان آخر.

أومأت "سلوى" برأسها، وقالت:
- نعم.. بعد آخر، أو...

بترت عبارتها لحظة، قبل أن تضيف:
- أو عالم آخر..

واتسعت عينا "نور"..
عن آخرهما..

* * *
فجأة، انتبه الدكتور "صفوت" إلى تلك الفجوة..
ممر صغير، بين الصخرة الفيروزية، والأرض الخضراء..
ممر يختفي أسفل نتوء بارز، في قاعدة الصخرة..

وبسرعة، ولأنه الأمل الوحيد، الذي لاح له، في ذلك العالم الرهيب، انزلق بجسده عبره..

كانت جدرانه أكثر صلابة من الأرضية، مما ساعده على الانزلاق في خفة، فراراً من الكائنات العملاقة، وتلك البللورات الأرجوانية العجيبة..
ومن بعيد، هلَّت عليه رائحة قوية..
رائحة بدت مألوفة، على عكس كل ما يحيط به..

ولأنها أول مرة، يشعر فيها بشيء مألوف، منذ وجد نفسه في ذلك العالم، فقد زاد من سرعة انزلاقه، ليصل إلى مصدر الرائحة ولكن الظلام كان يحيط به بشدة، كلما توغل في ذلك الممر، مما ضاعف من توتره وقلقه، فتوقَّف عن الانزلاق، وانكمش وسط الظلمة يلهث في انفعال، وهو يستعيد تلك اللحظات، التي لا يدري ما الذي حدث خلالها بالضبط..

لقد غيَّر معطيات قاذف الأشعة الأيونية، واستخدم تكنيكاً جديداً، لزجها بالأشعة البروتونية، وبدأ إجراء التجربة بالفعل، عندما أصابته بغتة تلك الصاعقة..

صاعقة قوية عنيفة، ارتجّ لها جسده كله، في قوة لم يعهدها من قبل، وشعر وكأن عقله ينفجر، وكأن ألف ألف مطرقة، هوت على كل خلية من خلاياه، لتطحنه طحناً، وتسحقه سحقاً..
وأظلمت الدنيا كلها أمام عينيه..
وفقد الوعي..

أو أن هذا ما يُتصوَّر حدوثه..
لقد أحاطت به الظلمة بضع لحظات، ثم انقشعت بغتة، ليغمره ضوء مبهر، انتهى بأن وجد نفسه في ذلك العالم..

وكان من الممكن أن ينهار ذهولاً، مع انتقالته المباغتة، التي لم يتوقَّع مثلها قط، لولا أن رأى تلك الكائنات الرهيبة تقترب، فهب يفر منها؛ حفاظاً على حياته..

وها هو ذا، بعد رحلة فرار مضنية، يجد نفسه منزوياً، منكمشاً، خائفاً، مذعوراً، داخل نفق ما..
نفق يقوده إلى شيء، لم يدر ماهيته بعد..
بل، وربما يقوده إلى مصير، أفدح مما يفرّ منه..
ساعدته الظلمة على أن يرهف سمعه، وينصت بكل حواسه إلى ما حوله..

كان كل ما يخشاه أن تتسلَّل تلك الكائنات البللورية إليه، على الرغم من عدم تناسب حجمها، مع جدران الممر الطويل المظلم..
ولقد تناهى إلى مسامعه بالفعل صوت خافت..
صوت أشبه بهدير أمواج، يأتي من بعيد..
من الأعماق..
أعماق ذلك العالم المخيف..

وبكل توتره، حاول عقله أن يتبين ماهية ذلك الصوت..
إنه صوت خزَّنته ذاكرته ذات يوم..
صوت، اعتاد سماعه شديد الخفوت..
وها هو الآن أشبه بالهدير..
توترت كل ذرة من كيانه، وهو يعتصر عقله..
ويعتصره..
ويعتصره..

لابد وأن يجد تفسيراً لكل ما حوله..
لابد..
لم يجد أمامه، بعد فترة عميقة من التفكير، سوى أن يواصل زحفه عبر الممر الطويل؛ ليتقرب أكثر من مصدر الهدير..
ورويداً رويداً، بدأ يتبينه أكثر..
وأكثر..
وأكثر..

وكلما قطع متراً، عبر ذلك الممر المنزلق، كانت ذاكرته تصرخ أكثر، بأن ذلك الصوت مألوف..

ومرة أخرى، توقَّف يلهث، وشعر بآلام عنيفة في كل عضلاته، وبدت له أنفاسه ثقيلة، وكأنما انخفض الأكسجين من حوله، وتشبَّع الجو بثاني أكسيد الكربون..

ولأنه عالم، أدرك أن التوغل في ذلك الممر صار مستحيلاً، وإلا اختنق بعد عدة أمتار..

في ظروف أخرى، كان سيتحتم عليه أن يحمل أسطوانة أكسجين، وأن يستعين بمعدات خاصة..
ومع تثاقل أنفاسه المتصل، أدرك أكثر حتمية أن يصعد إلى السطح، وأن يعود أدراجه عبر الممر..

وعندما همَّ بذلك، قفزت الأجوبة كلها إلى رأسه بغتة، فاتسعت عيناه عن آخرهما، وغمغم:
- يا إلهي!.. هذا مستحيل!.. مستحيل!

فعلى حين غرة، أدرك ماهية ذلك الهدير، وجواب السؤال..
وكان جواباً مذهلاً..
إلى أقصى حد ممكن.

* * *

b!nt masr غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-19-2011   #6
b!nt masr
Fezo
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: Sohag
المشاركات: 2,974
افتراضي رد: مكتبة ملف المستقبل الالكترونية

5 - وهج..
في مزيج مدهش، من الحذر والدقة، راحت "سلوى" تراجع كل حرف، من البرنامج الجديد، الذي استخدمه الدكتور "صفوت"، لتصغير علبة المياه الغازية، موضوع تجربته الغامضة..

ولم يكن هناك أمر، يمكن أن يؤدي إلى اختفائه العجيب..

صحيح أنه استخدم مزيجاً قوياً من الأشعة الأيونية والبروتونية، إلا أن ذلك المزيج كان موجّهاً مباشرة إلى علبة المياه الغازية، وهناك ستة مجسًّات إليكترونية، تضمن هذا التوجيه، وكلها كانت تعمل بكفاءة تامة، عندما انطلقت الأشعة..

وهذا يجعل الأمر أكثر غموضاً..
فمع كل هذه الدقة، لماذا لم يتم تصغير الهدف؟!..
لماذا لم تصغر علبة المياه الغازية؟!..
وأين اختفى الدكتور "صفوت"؟!..
أين؟!..
أين؟!..

"ألم ينحسم الأمر بعد؟!.."..
ألقى "أكرم" السؤال في عصبية، فهزَّت "سلوى" رأسها في حدة، قائلة:
- ليس بعد.

ثم التفتت إليهم، مستطردة في توتر:
- وفقاً لما أجده، كان ينبغي أن يسير كل شيء على ما يرام، ولكن الواقع يؤكِّد العكس.

انعقد حاجبا "نور"، وهو يغمغم:
- هذا يتناقض مع أبسط منطق علمي.

لوَّح "أكرم" بذراعه، هاتفاً:
- فليذهب المنطق العلمي إلى الجحيم إذن.

هتفت "نشوى":
- خطأ.. إننا فريق علمي، وينبغي أن...

قاطعها "أكرم" في حزم:
- ينبغي أن نكون مرنين، بما تقتضيه الظروف.. لقد جربنا المنطق العلمي، ولم يوصلنا إلى شيء.

سأله "نور" في اهتمام:
- ما الذي تقترح اختباره إذن؟!

أجابه في سرعة:
- التجربة والخطأ.

بدت الدهشة على وجوه الجميع، فيما عدا "نور"، الذي تمتم في توتر:
- هل تعني أن...

قاطعه "أكرم" في انفعال:
- بالضبط.. أن نعيد التجربة، بنفس المعطيات التي استخدمها الدكتور "صفوت".

بدا الاهتمام على "سلوى"، وهي تقول:
-هل تعتقد هذا؟!

وقالت "نشوى" في حماس:
- هذا أسلوب علمي بحت.

غمغم "رمزي":
- ولكنه بالغ الخطورة.

أضاف "نور":
- بالضبط.

ولكن "سلوى" استدارت، تضغط أزرار الأجهزة في حماس، وهي تقول:
- ابتعدوا عن علبة المياه الغازية.

التفت إليها الكل في قلق، وهم يتراجعون، فأضافت:
- والأفضل أن تغادروا الحجرة كلها.

قال "نور" في حزم:
- سنبقى.

قالت، وحماسها يتزايد:
- الدكتور "صفوت" كان وحده هنا، ومن الضروري أن نعيد التجربة، بنفس المعطيات.

هتفت "نشوى":
- وماذا لو أن مزيج الأشعة قد نقله بالفعل إلى عالم آخر؟!

همَّت "سلوى" بقول شيء ما، ولكن "نور" سبقها، قائلاً بمنتهى الحزم:
- في هذه الحالة، أفضِّل أن ننتقل كلنا.

رفعت "سلوى" عينيها إليه، في امتنان صامت، ثم أمسكت ذراع جهاز الأشعة المزدوجة، وهي تتمتم:
- فليكن.

وفي حزم، جذبت الذراع..
وانطلق مزيج الأشعتين، الأيونية، والبروتونية..

انطلقا من فتحتين مختلفتين، في جهاز الأشعة الضخم، ثم امتزجا على مسافة سنتيمترات قليلة منه، واتحدا في حزمة واحدة، انطلقت عبر توجيه المجسَّات الستة، نحو علبة المياه الغازية مباشرة..

ثم حدث ذلك الوهج..
وهج قوي، شديد، غمر الحجرة كلها، وأجبر الجميع على إغلاق أعينهم لحظات، قبل أن يفتحوها، ويحدقِّون في لهفة، في علبة المياه الغازية..
ومع دهشتهم البالغة، كانت العلبة في موقعها كما هي..

أما "سلوى" فقد اختفت..
تماماً..

* * *
صاعقة رهيبة، أصابت جسد "سلوى" وعقلها..
مزيج الأشعتين، تجمَّع في حزمة واحدة، وارتطم بعلبة المياه الغازية، ثم أطلق ذلك الوهج الرهيب..

ومثل الباقين، أغلقت "سلوى" عينيها..
ولكن العجيب، أن هذا لم يوقف الوهج..

لقد شعرت بتلك الصاعقة تضرب كيانها كله، وبآلاف المطارق تهوي عليها، من كل صوب..
وانطلق ذلك الوهج..
انطلق في عينيها..
وعقلها..
وكيانها كله..

شعور رهيب، ذلك الذي سرى، في كل خلية من جسدها..
شعور بالألم..
والاعتصار..
والانضغاط..
ثم طار جسدها..

شعرت به، وكأنه يطير، وسط بحر من أضواء قوية مبهرة، تخترق جمجمتها، وعظامها..
كأن جسدها يتحطَّم..
وينطحن..
وينسحق..

ثم فجأة، تلاشى كل هذا..
وأظلمت الدنيا كلها..

كل شيء توقَّف بغتة، دون سابق إنذار، حتى تصوَّرت أنها قد لقيت مصرعها..
وأن هذا هو الموت..

ولكن فجأة، انقشعت الظلمة، وأضيئت الدنيا كلها مرة أخرى..
ووجدت نفسها في ذلك العالم..
عالم عجيب، بسمائه، ورماله، وصخوره الفيروزية..

وفي ذهول، أدارت عينيها فيما حولها..
إنه عالم آخر بالفعل..

ذلك العالم، الذي افترضوا وجوده..
العالم، الذي انتقل إليه حتماً الدكتور "صفوت"..

وبكل ذعرها، هتفت:
- لقد نقلتني الأشعة إلى عالم آخر.

بدا لها صوتها ضائعاً، في فراغ هائل، على الرغم من كل ما تراه حولها، و...

وفجأة، لمحت تلك الأجسام الضخمة، من بعيد..
أجسام هائلة، تقترب في بطء..

ولثوان، لم يمكنها تمييزها..
ثم رأتها، تبرز من خلف الصخور الفيروزية..
وانتفض جسدها كله في رعب..
وانطلقت تعدو، وقد بدأت رحلة الفرار، في ذلك العالم الرهيب..
الغامض..

* * *
"مستحيل!.."
هتف "نور" بالكلمة في ارتياع، عندما فوجئ باختفاء زوجته، واندفع إلى حيث وقفت، وتلفَّت حوله، وكأنه يمكن أن يجدها في مكان ما، قبل أن يهتف:
- أين ذهبت "سلوى"؟!

امتقع وجه "نشوى"، وهي تجوب المكان ببصرها، قبل أن تقول في ارتياع مماثل:
- لقد نقلتها الأشعة، إلى نفس العالم، الذي نقلت إليه الدكتور "صفوت".

غمغم "رمزي" ذاهلاً:
- ولكن كيف؟!.. كيف؟!

سحب "أكرم" مسدسه، وقال في عصبية:
- هل ترون هذا علمياً؟!

قال "نور" في عصبية:
- هناك تفسير ما حتماً.. تفسير منطقي.

صاح "أكرم" في حدة:
- "سلوى" اختفت أمام أعيننا.

تمتم "رمزي":
- عقب الوهج مباشرة.

أشار "نور" بسبَّابة مرتجفة إلى علبة المياه الغازية، قائلاً:
- والعلبة لم تتأثَّر.

كرَّر "أكرم"، في عصبية بالغة:
- ألهذا أيضاً تفسير علمي؟!

التقى حاجبا "نور"، واقترب من علبة المياه الغازية، ومال يفحصها في توتر بالغ، وجال ببصره في سطحها اللامع، فقال "أكرم" في حدة غاضبة:
- لن تجد عليها سوى انعكاس صورتك يا صديقي.

اعتدل "نور" بحركة حادة، فأضاف "أكرم" في عصبية:
- وهذا لن يؤذيك حتماً.

استدار إليه "نور" بحركة سريعة، وأمسك كتفيه، هاتفاً:
- رباه!.. "أكرم".. أنت عبقري.

واتسعت عينا "أكرم" عن آخرهما، ولكنه لم يفهم شيئاً..
أي شيء!.

* * *

يتبـــــــع

b!nt masr غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
ملف, مكتبة, المستقبل, الالكترونية
تعليقات زوار الموقع على الفيس بوك


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:50 PM.


Follow @elmaazon تابع ايجى لفرز على الفيس بوك وتويتر لحظه بلحظه