الأربعاء 22 مارس, 2014

خاص: منذر مصري يكتب: "المكدوس" والثورة الجائعة

راقبت السيدة المصرية باندهاش بالغ، جارتها المهاجرة السورية، وهي تحشو بطن الباذنجانات المسلوقة بتبلة رب الفليفلة الحمراء، والثوم المدقوق، والجوز المكسر، ثم تستّفها في “قطرميز”، وتغمرها بقدر واف من زيت الزيتون”. وسألتها مستفسرة: “إنتو كنتو تاكلو الطعام ده في سوريا!؟”

فأجابت السيدة السورية:”نعم، (المكدوس) أكلة شعبية في سوريا”. هنا لم تستطع الجارة المصرية منع نفسها من الصياح: “أُمّال عملتوا ثورة وخربتوا بلدكم ليييه!؟”

في البدء، أول ما يخطر على بال المرء، أن يجيب السيدة المصرية، بأن (الثورة) السورية، لم تقم بسبب جوع الشعب أو فقره. وهذا ما أوضحه السوريون، منذ بداية تظاهراتهم، عندما هتفوا في درعا واللاذقية وحمص ودمشق رداً على وعد السيدة بثينة شعبان بحزمة الإصلاحات وعلى رأسها زيادة الرواتب: “..الشعب السوري مو جوعان”. وليس بسبب جحوده لتلك القائمة الطويلة من النعم، التي أعدها شاعر سوري، وأي شاعر!؟.. شاعر عاش حياته كلها يدعو للحرية المطلقة في الشعر والفكر والحياة.. والتي يتساءل بها:

ــ كيلو الخبز بـ/15/ليرة… مو كرامة؟

ــ صحن الفول بالزيت مع كبيس وخبز بـ/35/ليرة.. مو كرامة؟

ــ خروج مرتك أو أختك أو بنتك.. أي ساعة في الليل.. مو كرامة؟

ــ ليتر العرق الريان بـ/65/ليرة.. عند جارك.. مو كرامة؟

فيعترض أحد أصدقائه: “نعم.. ولكن عندما يشحطونك من بيتك أو الشارع أو الوظيفة أو الدكان.. بسبب أو بدون سبب.. ثم تختفي أخبارك؟!؟” فيردّ عليه شاعرنا: “أنا ضد الشحط العبثي المجاني..!” ليعقّب صديق آخر مؤيداً: “عرب البعير خنازير الأرض الأنجاس..”. إلاّ أني بدوري أجد الآن المناسبة لأردّ عليه، بكل الاحترام والتقدير الذي تستحقه تجربته الإبداعية، دون ذكر اسمه، حرصاً على عدم شخصنة الموضوع:

لا ياصديقي.. قائمة النعم هذه، لا تعني الكرامة.. لأنها القائمة ذاتها التي كانت تلصق على ظهر الشعب الروسي والبولوني والمجري والتشيكي و…، حيث الخبز والفودكا واللحم، وخاصة البشري منه.. رخيص، والتعليم والتطبيب.. مجاني، والنقل الداخلي على علاته.. رخيص!؟ وووو.. ما لا تستطيع إخفاءه بين سطورها من إهانات ومذلات، يعرفها أصدقاء كثيرون مشتركون بيننا، ذهبوا للدراسة، فعاشوا هناك، رغم تواضع رواتبهم الدراسية، كأبناء الملوك، والتي مزقتها هذه الشعوب وداستها بأقدامها.

ولا ياصديقي.. من يسأل لماذا تعرضت للشحط!؟.. وما نسبة المشحوطين قياساً لتعداد السكان العام!؟.. ليس ضد الشحط العبثي والمجاني، ليس ضد شحط الطيب تيزيني، دكتور الفلسفة الذي قارب الثمانين، في ساحة المرجة، لأنه شحط مبرر وأخلاقي.

خرج آكلو ’المكدوس‘ للمظاهرات وهتفوا.. أولئك الذين ضاقت سوريا على طموحاتهم وأحلامهم، ورغبوا أن يكملوا صورة سورياهم الجميلة.

ذكرني هذا بقصتين، أولهما حدثت معي، عندما أوقفت عند أحد الحواجز، بسبب تشابه في الاسم، واقتدت لأحد فروع الأمن، أن العنصر الذي أعاد لي أغراضي ومن بينها مفتاح سيارتي، قال لي: “ياللغباء.. من يصدق.. إنسان لديه سيارة كهذه، ضد الدولة!؟” والثانية ذكرت لي، أثناء رويي للقصة الأولى، أنه أثناء التحقيق مع شاب معتقل، كانوا يصيحون به: “عند أبوك سيارة (سوناتا) وطالع مظاهرة..!؟”

إلاّ أنه، إذا أمعن المرء التفكير في الأمر، يستطيع أن يجد أن استنكار السيدة المصرية، له مبرراته، وربما، في محله؟! وذلك بطريقة، قد تبدو شكلياً وكأنها تناقض التفسير السابق، غير أنها في الحقيقة تكمله. وهي، أن هناك، سوريين كثيرين لا يعرفون ماهو (المكدوس)، وإن عرفوه، فهم لا يقدرون على شرائه وأكله، فالجوز وزيت الزيتون ما كانا يوماً رخيصي السعر!؟ ويوماً ما كان (المكدوس) بسعر الخبز، المدعوم من قبل الدولة، كما هو معروف، والذي كان وما يزال الطعام الوطني للسوريين ومالئ بطونهم الأول.

نعم، خرج آكلو (المكدوس) للمظاهرات وهتفوا.. أولئك الذين ضاقت سوريا على طموحاتهم وأحلامهم، ورغبوا أن يكملوا صورة سورياهم الجميلة، بحياة أفضل، أكثر حرية وكرامة، وأكثر شبهاً بهم!؟ ولست أنا من ينكر تقدماتهم وتضحياتهم. إلاّ أن كثيرين منهم، عندما وجدوا أن الرياح تجري بما لا تشتهي سفنهم، أداروا ظهروهم لها، مضطرين غالباً ومختارين أحياناً، ولاذوا بالسفر والهجرة إلى بلاد غنية ومتقدمة فتحت حدودها لهم، يستطيعون فيها تحقيق هذه الطموحات والأحلام.

أمّا، آكلو الخبز، الخبز المر، سكان الأحياء المخالفة، “الباطلون” عن العمل، عمال الجهد الجسدي، يعملون يوماً وخمسة أيام لا يعملون، أهل الريف المهمل، الفلاحون المفقّرون، المغبرون والمنسيون، الذين لم يجدوا منفذاً، فقد تابعوا ومضوا، حيثما قادتهم الأحداث، وهم من حملوا السلاح، وحاربوا واحتلَّوا الأمكنة التي كانت محظورة عليهم، ودخلوا المدن السورية كالمحررين، إذا لم أقل كالفاتحين، وتسلطوا على الباقين من أهلها، وفرضوا عليهم أحكامهم، آخذين ما يظنونه حقاً لهم.. سواء أعجبنا هذا أم لم يعجبنا، فذلك آخر ما يبالون به.

وأخيراً.. ولأنك أغفلت يا صديقي..يا شاعري.. يا من كان سعدي يوسف لا يعتبر ما تكتبه شعراً، بينما يحبه مصطفى عنتابلي، عدداً من النقاط التي تدل على الكرامة والرفاهية، حسب وجهة نظرك، رغم حرصك على ذكر كل منّة وعطية كان يتمتع بها الشعب السوري برمته، دون أدنى تمييز.. فقد رغبت بشدة أن أذكّرك ببعضها، ولكن بسبب خلل أعانيه منذ خمس سنوات في البنية العقلية والنفسية، وهو ما أشرت إليه بنفسك في خاتمة قائمتك، وطلبت من أحدهم، خاطبته يادكتور، أن يعيد النظر ببنيته الشبيهة ببنيتي كما يبدو.. وليس بسبب أي نعمة أخرى.. أقسم.. لن أفعل.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي “هنا صوتك”.

أخبار اخري قد ترغب فى الاطلاع عليها:


اترك تعليقك