الأربعاء 22 مارس, 2014

خاص: أحمد الفخراني يكتب: من وحي "العائد".. الميديوكرز والتاكسي الأبيض

ينشغل فيلم العائد The Revenant لأليخاندور إليناريتو في الأساس، بالسؤال عن الانتقام المؤجل للطبيعة التي جرفتها الرأسمالية في سعيها الطموح والمغامر نحو التحقق. الطبيعة كوحش وكرحم للإنسان، وعن قدرتها على السحق والعقاب أيضا، ودعوة للتعلم من الأسلاف البدائيين في علاقتهم المتزنة في استثمار تلك الطبيعة/هبة الرب، أو الرب كما يسميه إليناريتو. الفيلم حافل بالإشارات، وكأي عمل فني ثري هو قابل للتأويل بأكثر من رؤية.

لذا سأنشغل بسؤال آخر يبدو فرعيا في فيلم العائد، وأساسيا في اللحظة الراهنة بمصر. سؤال الإنسان الذي صار عبئا على جماعته؟ كيف تتصرف تلك الجماعة. ففي مصر كدولة ضاغطة على كل عروق الحياة وكرامة الإنسان، تحكمنا طبقة حاكمة ومتوحشة من الميديوكرز متوسطي الموهبة و تنتج يوميا الملايين من معدومي ومتوسطي المواهب، وهي المسؤولة عن كل علامات العفن والرداءة لدى المواطن العادي، ليصير المواطن عبئا على الحياة نفسها. منتج صغير للرداءة.

على سبيل المثال لا الحصر: سائقو التاكسي الأبيض في مواجهة خدمة الأوبر التي تستفيد من تكنولوجيا المعلومات، وتؤسس لعلاقة جديدة بين المستخدم وسائق التاكسي قائمة على حماية المستخدم من أخلاقيات الرداءة المتمثلة في إجمالي تصرفات سائقي التاكسي الأبيض من غش للمستخدم وتحرش بل ومحاولات خطف أحيانا، بل وحتى في شهادات عن طرقهم –الدنيئة- في إيقاع سائقي الأوبر في كمائن.

عندما طرح هذا السؤال في مصر، طرح بمنطق من يرى العفن ولا يرى صانعه. لأن سائقي التاكسي الأبيض صاروا ببساطة عبئا على “المدنية” والخدمة الجيدة. كانت الإجابة ببساطة: تخلص من العفن دون إجابة حقيقية عن مساءلة المتسبب في وصول الإنسان المصري إلى قاع الرداءة. من يحمي “المواطن” الرديء؟ لا إجابة.

هيو غلاس، الذي أدى دوره ليوناردو دي كابريو، دليل الجماعة للنجاة من ممثلي “الطبيعة الغاضبة” الفقراء/ الهنود الحمر، في صفقة تسرق فيها الجلود، ويخاطر فيها 45 فردا بروحه، من أجل تحقيق رفاهية ارتداء القبعات لسيدات أوروبا.

ماذا لو كنت الدليل لجماعتك؟ وكانت قيمة حياتك هي فائدتك التي تمثلها لهم فقط، في إنقاذهم والعبور بهم؟ كل قيمتك هنا، فقط لا غير. ثم، وهو السؤال القابض والمحوري الذي أهتم به في في فيلم العائد ، ماذا لو صرت عبئا حقيقيا على جماعتك، بعدتهم الحقيقية لمواصلة الطريق، ميت تقريبا، ولا أثر لقدرتك على مواصلة الحياة، سوى رغبتك أنت التي تبدو كإشارة ضعيفة، لا يستطيع أو يرغب أن يلتقطها أحد. فقط رمشة عين ضعيفة، قد تكون الفاصل بين استمرارك على قيد الحياة أو دفنك. كما يغوي فيتزجيرالد “توم هاردي”، غلاس”ليوناردو دي كابريو” عندما يسأله لم تتشبث بالحياة؟ ويطلب منه وهو القادر على الحراك أن يمنحه رصاصة الرحمة بالدفن، برمشة عين.

كان الدليل الذي لحياته ثمن، يقودهم في الأساس هربا من الفقر/ممثلي الطبيعة المنهوبة (الهنود الحمر)، للوصول بالبضائع (الجلد) المسروق بدوره من قبائل الهنود. غلاس الطموح للخلاص من الفقر، والنجاة بابنه الهندي الأحمر متوسط الذكاء والموهبة من الاثنين: الفقر وتوحش رفاقه الطامحين. يفاجئهم الهنود بالعودة الوحشية والقاتلة، لاسترداد ما سرق.

يبدأ التمهيد لعدم صلاحية الدليل قبل هجوم الدب/الطبيعة التي تقتنص صلاحية جلاس الأخيرة (جسده)، من تشكيك فيتزجيرالد في أنه ما زال مؤهلا للقيادة، فالجماعة التي بدأت 45 فردا، انتهت وهو يدفعها إلى النجاة إلى عشرة أفراد. ثم يأتي التشكيك الثاني من فيتزجيرالد عن أنه سبق لجلاس أن قتل ضابطا من الأمريكيين، أي أنه خطر في الأساس على الجماعة. بل يشكك أصلا في خطته لانقاذ الجماعة: أن من الخطر البقاء في القارب.

“في مصر كدولة ضاغطة على كل عروق الحياة وكرامة الإنسان، تحكمنا طبقة حاكمة ومتوحشة من الميديوكرز متوسطي الموهبة و تنتج يوميا الملايين من معدومي ومتوسطي المواهب”- أحمد الفخراني

مايقوم به فيتزاجيرلد فعليا هو التمهيد للتخلص من غلاس، حتى قبل أن تفقده الطبيعة آخر ما يملكه: قوة جسده.

يعلم فيتزاجيرلد أن قرار دفن غلاس حيا والتخلص منه، تم بالفعل، بتواطؤ يغطي ورقة التوت مع المعارضين لدفن جلاس. حتى ممثل القانون الذي يذهب إليه فيتزاجيرلد ليتلقى مكافآته على البقاء بجوار جلاس، رغم تشككه في رواية موته، إلا أنه يبدو كالآخرين في حاجة لإزاحة العبء وعلى فيتزاجيرلد أن يتحمل وحده خطيئة القتل بالإنابة.

في مستقبل جامح، سريع، يحدث الآن. الغرب يبحث عن الموهبة النادرة، يقاوم قلة المواليد، ينفتح أكثر على الهجرة بحثا عن الموهبة، العقول التي يتم قمعها ستهاجر من الشرق الأوسط ومصر، من بلد يحكمها ميديوكرز ولا يرغب في رؤية سوى متوسطي مواهب حوله وتحته. ولا أمل في الجحيم الذي يطلقه “زعيم” الميديوكرز إلا الهروب. لن يتبقى له سوى من أراد. محض حمقى، مهللين، بلا قواعد، متحرشين، بلا ذمة، بلا ضمير. يضغط النظام على الجميع لنصبح كلنا مثله: حمقى، إن كنت تملك شيئا مختلفا فمصيرك السجن أو القتل.

ننسى المخطيء الأصيل، صاحب مصنع الـ”ميديوكرز” و”المكرونة” بإنتاج سيء وضخم ولا يتوقف، ونوجه أصابع الاتهام وصيحات “دفنهم” أحياء لكونهم عبئا على الجماعة، أو أن عبء حياتهم أصبح مشكلة تخصهم وحدهم، ولا تخصنا. هذا التجاهل المتواطيء لكونهم غير مسؤولين عن ما وصلوا إليه من الرداءة في ظل اللانظام واللافوضى وجهل الحكام والسخرية من أفكار إعادة التأهيل أو الضغط على المتهم الحقيقي لمصنع الرداءة الكبير، سيعود إلينا من جديد على هيئة انتقام لا يرى بدوره المسؤول الحقيقي عن دفنه حيا. لن يرى سوى الأقرب في الدائرة، فيتزجيرالد ، الذي لم يكن أكثر من منفذ لرغبات الآخرين بدفن “ضحية” النظام حيا.

لن ننسى أيضا أن تعاطف النظام في النهاية مع منتجه “الرديء”، ضد “مدنية” أوبر التي لم يظهر توحشهها بعد لوجود منافسين، ليس إلا تعاطف مع النماذج التي يريدها حوله، دون أن يفكر بدوره في إعادة تأهيل أو وضع شروط جيدة للطرفين السائق والمستخدم، تحكم اللعبة وتنتج الأمان.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي “هنا صوتك”.

أخبار اخري قد ترغب فى الاطلاع عليها:


اترك تعليقك