الإثنين 26 يونيو, 2014

خاص: سلام كواكبي يكتب: سوريا.. جمعة العودة للتظاهر السلمي

في عودة حميدة للتظاهر السلمي يوم الجمعة الماضية، في أكثر من 100  نقطة جغرافية في سوريا، وبالاستفادة من هدنة هشة اختُرِقَت مراراً، رجع السوريون إلى الشارع ونجحوا، بعد اكتمال خمس سنوات على أول خروج لهم سلمياً احتجاجاً على قمعٍ واستبدادٍ داما قرابة عقود خمسة، في إحياء رمزية لشهر آذار سنة 2011.

لقد استعاد مئات من المتظاهرين شعارات سبق للمتابعين أن سجلوا تصدرها المشهد في بداية الحراك الاحتجاجي السلمي السوري: “الشعب السوري لا يُذّل”، “واحد واحد .. الشعب السوري واحد”.

وقد ظهر جليّاً، لمن يرغب في أن يقرأ المشهد بموضوعية، وبعيداً عن التخندق الأيديولوجي، ابتعاد المتظاهرين، الذين غلب عليهم العنصر الذكوري، عن اللجوء إلى الشعارات الطائفية التي أُقحمت عمداً في مرحلة متقدمة تلت انطلاقة الحَراك الاحتجاجي السوري من قبل من سعى، واستطاع، أن يغيّر من طبيعة الاحتجاجات، وقبل أن ينحو بها إلى اللجوء لاستخدام السلاح دفاعاً عن مدنيين عزّل كانوا يُقتلون بلا حساب. كل ذلك، قبل أن يتحول الأمر إلى صراع مسلح دخلت فيه حسابات واعتبارات لا ناقة للسوريين فيها ولا جمل.

استعاد مئات من المتظاهرين شعارات سبق للمتابعين أن سجلوا تصدرها المشهد في بداية الحراك الاحتجاجي السلمي السوري: الشعب السوري لا يُذّل.. واحد واحد الشعب السوري واحد.

من خلال مراجعة سريعة للمشاهد التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي، برز عنصران أساسيان يمكن التوقف عندهما. أولهما هو الإخراج شبه المُتقن للمشهد “العفوي” وثانيهما هو ردود الفعل الإسلاموية واليساروية التي تلت الحدث.

من المفيد التوقف عند “تهمة” الإخراج التي يمكن أن يحلو للبعض القفز على صحتها والتطرّف في الاستنتاجات غير المفيدة للمنطق، ولكنها تصب غزيراً في مستنقع حديث المؤامرة المنتشر يميناً ويساراً عربياً أكثر منه سورياً بالتأكيد.

إن تعمقت القراءة، فيمكن اعتبار هذا الإخراج مؤشراً إيجابياً على التفاعل المنتج للوعي السياسي لنخبة شبابية جديدة انبثقت من رحم الحَراك. فعلى الرغم من إمكانية تسجيل لا عفوية التظاهر وإمكانية تأطيره المحتملة بشدة من قبل قوى وعت لأهمية المرحل كما لأهمية الإخراج، إلا أن هذا لا ينتقص البتة من قيمة الحدث وحمولته السياسية كما المجتمعية.

مجتمعٌ جزءٌ منه تعرّض لأبشع الاعتداءات السلطوية كما لأبشع التطرفات الدينية، يستطيع، رغم الجروح والندوب، أن يُعيد إنتاج “أسطورة” التظاهر المطلبي الذي استكثر كثيرون عليه أن يكون حريّاً به. لقد نجح هذا الجزء من المجتمع السوري في التجمّع ضمن إطار فعلٍ سياسيٍ بامتياز لكي يُعيد امتلاك ساحة التعبير رغماً عن أنف براميل النظام السوري، وقاذفات بوتين وسيوف الظلاميين المتعممين وهيئات المغتصبين لثورته.

ولا ينتقص وجود إخراجٍ سياسي أو فني أو شعاراتي من أهمية هذا المشهد الجميل، بل على العكس، فهذا يطمئن نسبياً إلى وجود وعيٍ يعوّل عليه في ظلّ ما أظهرته السنوات الخمسة الأخيرة من عجز النخب السياسية التي تنطّحت لقيادة الحَراك، أو التي تعالت على مؤشراته المجتمعية والثقافية والسياسية. كما أن تجدد الحراك بصورته هذه يوجّه رسالة مزدوجة إلى ما يسمى بالمجتمع الدولي وإلى ما يسمى بالمثقفين المشككين بنوعية الحَراك ودوافعه.

رسالةٌ تقول في عناوينها الأساسية إن مجرّد توفّر فرصة السلام الهش الذي منحته الهدنة المفروضة دولياً، كما التخفيف في جرعة الموت اليومي، فإن التعبير المطلبي سيعود إلى ألقه. كما أن الجموع التي خرجت منذ خمس سنوات، أو حتى ورثتهم في حال زوالهم الجسدي بفعل آلة الموت كما التهجير واللجوء، لم ينسوا “الأساسيات” التي جمعتهم حينها بمئات الآلاف في ساحات المدن والقرى للمطالبة بالحرية وبالكرامة. إنها إعادة إنتاج ناجحة في حدود الممكن.

أما ردود الفعل المشككة، فقد جمعت فئات متناقضة نظرياً ومتحالفة عملياً في إجهاض الفعل السياسي التحرري، كالإسلامويين القاعديين أو الداعشيين من جهة، والبافلوفيين اليساريين من جهة أخرى.

الظلاميون وجدوا في هذا الحَراك المتجدد ثورة مزدوجة على نظام ادعوا محاربته، وعلى أفكار تدميرية حاربوا من خلالها المجتمع بكافة تلاوينه وتوجهاته. وقد عبّروا عن ذلك بالعنف اللفظي والجسدي المناسب، والذي يمتلكون أدواته، بما أنهم يفتقرون إلى امتلاك ناصية المنطق ويفتقرون إلى أبسط قواعده. كما أن المشككين من الطرف الآخر، المتحالفين بنيوياً مع تشكّل الظلامية الدينية رغم أنهم يدّعون مجابهتها، فقد عادوا إلى أسطوانة مشروخة ومغبرّة تقول بأن هذه المظاهرات المتجددة ما هي إلا إخراجٍ مسرحي مدفوع من قبل جهات تبحث عن استخدامً سياسوي ـ دولي عشية المفاوضات المزمع إعادة تفعيلها بعد أيام. ومن المثير أنهم لم يصلوا لاتهام قنوات عربية بإخراج هذه المسرحيات في استوديوهاتها كما كرروا مراراً قبل خمس سنوات.

وفي سخرية معبّرة حول القوالب الجاهزة في كلام بعض المتثاقفين الذين يخفون تحت ثوب العلمانوية المتشددة موقفاً طائفياً بامتياز، علّق أحدهم قائلاً : “المظاهرات لا تخرج هذه المرة من المساجد بل من تحت الركام”.

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي “هنا صوتك”.

أخبار اخري قد ترغب فى الاطلاع عليها:


اترك تعليقك