الإثنين 26 يونيو, 2014

خاص: نجوى بن شتوان تكتب: بنغازي العائدة من الموت

فيلم The Revenant ( العائد) فيلم رائع من جوانب عدة، بعضها ما يتعلق بصناعته، وبعضها الآخر مايتعلق بقصته الحقيقية، وأكثرها بالنسبة لي ما يثيره  حول جدلية الخير والشر في النفس الإنسانية.

سيتأثر الحكم على الفيلم ( كما يبدو لي) بتوقيت مشاهدته، تجنب تلك التي  يكون فيها يومك حافلاً بأحداث ثقال أو متعباً أو يعبرك حزن أو خرجت للتو من نقاش مع صديق حول “نحتفل أم لا نحتفل بثورة فبراير، نعصد أم لا نعصد في المولد النبوي، ونصوم أم لا نصوم إذا رأينا الهلال بالأجهزة الفلكية الحديثة ولم نره بالعين المجردة؟”، وغير ذلك من الأحاديث التي يجيدها الأصدقاء في سبيل تحولهم إلى أصدقاء لدودين.

كما ستكون المشاهدة غير ممتعة وتزيد من حزنك عوضاً عن أن تخففه، إذا شاهدت الفيلم في وقت متأخر جداً وذهبت بعده  للنوم، أو صادف يوم العرض هبوب ريح عالية باردة تستثمرها عصابات داعش لتوقد النيران في خزانات البترول، وهذه مصادفة واقعية للغاية حدثت معي، إذ قصدت السينما ذلك المساء نشداناً للخلاص من الضيق المحيط بي، وتناسي الريح التي لم يكن توقيت هبوبها على ليبيا إلا من قبيل الحظ السيء (حريق خزانات السدرة الأول) حيث نجحت الريح في توسيع رقعة النيران وعملت ضد المطفئين. ما يعني في المحصلة زيادة الطين بللاً والنار اتقاداً والجرح صديداً.

طيلة المشاهدة لم أشعر بالدفء، كان البرد في ظهري رغم ثيابي الثقيلة والصالة المكيفة، وعكس لي التحديق في عيني البطل في كل مشهد حالة رأيت مثلها في ليبيا، جائعاً، بارداً، جريحاً، متألماً من خذلان الرفاق و فقد الولد والأمان.

تذكرت بؤس مخيمات تاورغاء والذين لقوا حتفهم بيننا بسبب البرد، هوان النازحين والمهجرين، الجوع للخبز والضوء والمحروقات، الظمأ للأمن والاستقرار ورفقة غير غادرة. 

لا يمكن لذي كبد حية إلا أن يستعيد أحداث وطنه وهو يتابع عراك صياد حقيقي ضد الطبائع المتوحشة للأشياء مجتمعة( الحيوان، الإنسان، والطبيعة الضارية).

توقف صوت قرمشة الشيبس والفوشار (لا أعرف من هو عديم الذوق الذي يأكل هذه الأشياء الساعة العاشرة مساءً) وحل محلة صمت جامد، ثم مع الانهيارات الكاملة التي تعرض لها البطل والموسيقى التي أجادت التعبير بامتياز عن الحدث، بدأت أسمع  همساً خافتاً مابين الكراسي قريباً مني.

قالت فتاة تجلس خلفي لصديقها:

-أين الله من كل هذا الذي يحدث لإنسان وحيد في طبيعة قاسية؟

رد  رفيقها ساخراً: 

– لا تخافي يا حبيبتي، ليوناردو دي كابريو يبالغ لأنه يريد الأوسكار.

واضح أنها تفكر في الرجل الحقيقي الذي أكل قلب بقرة نيئاً ونام في بطن حصانه الميت تحرياً للدفء وحرق جراحه الدامية بيديه ليتوقف النزف، بينما هو يفكر في من يجسد أثره الأدبي والفني ليبلغ الأوسكار.

فارق سيقودهما حتماً إلى طلاق ثلاثي الأبعاد إذا كانا في ليبيا!

قالت عجوز لزوجها: أما كان أجدى لنا البقاء في البيت هذه الليلة العاصفة على أن نشاهد هذا الألم.

رد العجوز: ماذا أفعل تعبت من انتظار تغير الطقس والعزلة، إنه فيلم قاسي، لكنه مؤثر، ثم إن بقاءنا في المنزل لن يغير في الأحداث شيئاً فالقصة وقعت للرجل منذ قرنين فيما أعلم.

واضح أن الإنسان يصبح كائناً اجتماعياً عاقلاً عندما يقترب العمر من أرذله. ويكون رفيقه (رفيقته) قد دفع ثمن نضجه من عمره وأعصابه!

ثم ما بيني وبين الشاشة الكبيرة، وريح تلك الليلة شديدة العصف والبرودة، وروعة الموسيقى التي تقود سيناريو الفيلم عوضاً عن اللغة، نشأت صوراً ومشاهد موازية في نفسي  طغت أحياناً على الشاشة أمامي، واستمرت فيما بعد بعيداً عنها في التداعي، رأيت فيها بنغازي إنساناً رابط الجأش، صلب الشكيمة، مزقت الوحوش جسده وتخلى الرفاق عنه في العراء، لم ينفك يصارع أقداره الثقيلة، تتمكن منه الخصوم إلى حين، تمكن البكتيريا من الجرح، فتخور الهمم و يتسرب اليأس للنفوس، وتتفتت المقاومة بالجدل العقيم والمساومات، ثم فجأة تأتي اللحظة التي ينتظرها من قدميه في النار، لابد من شيء يفعل ذلك، وفي أرض الملح ترتبط تلك اللحظة بمجيء الدقيق، أجل إنه الدقيق ذي النوع الفاخر، صانع ملحمة بنغازي الوطنية، ينهض على إثره طائر الفينيق من الرماد وينتفض من جديد، يجمع الرجال شملهم في هبة ليبية الدم والروح، بنغازية المذاق، دفاعاً عن الأرض التي اختلطت فيها أشلاء المهزوم والمنتصر وانتقت الأرض فيها من يحييها لتمنحه نفسها، فيعود النازحين على إثرها أفواجاً لبيوتهم، يسبقهم اللصوص الذين من صدف هذه البلاد المجنونة، لا يعقدون سوق مسروقاتهم إلا في يوم الجمعة( اللهم ثبت ايمانهم !)

وتمتد أيادي أبناء المدينة وجوارها في الداخل والخارج، مشكلة أشواطاً من الجنود المجهولين، نساءً ورجالاً، الأيادي التي تجيد تصميم بيوت تعلن عن نفسها لمن سقطت بيوتهم، سيشيدونها معاً من جديد، والأيادي التي تجيد تنظيف الشوارع من ركام الحرب وآثار صليل الصوارم، وتلك التي تزرع الأشجار وتطلي الجدران و ترمم الطرق وتلك التي تمد الدواء والماء والنور والخبز والبهجة، حتى يعود وجه المدينة إليها، ثم صفوف من أناس أخرين في قرى ومدن ليبية أخرى يحذون حذو الملهمة الجامحة، العائدة من موتها، دفاع ثم دفاع ثم دفاع ثم حياة، بما يخلق فضاءً لأناس وظيفتهم ليس لها زمان أو مكان، يحيلون الأحداث إلى موسيقى وشعر ومسرح وسينما ونحت ورسم وقصص ومقالات وروايات. 

 كل الحروب والكوارث التي مرت على أقوام قبلنا انعكست أحداثها بشكل مباشر أو غير مباشر على المخيلة الفنية للكتاب والشعراء والموسيقيين والرسامين والنحاتين والسينمائيين، فهل سيحدث الشيء نفسه عندنا؟! 

أم أن الشعر الشعبي وحده هو الذي سيأخذ على عاتقه معاً دور التأريخ والفن(بكل أشكاله) كما حدث في الماضي، ونصبح بذلك للمرة الثانية، استثناءً بين الأمم لا يمكن تفسير تكرره ؟! 

* مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي “هنا صوتك”.

أخبار اخري قد ترغب فى الاطلاع عليها:


اترك تعليقك